2054208194886930964305459023536687124329124620425345324432245227212526005525430010231005910972575227800005423858567245242500231905922702611555

9/02/2018

اغتيال طفولة

اغتيال طفولة


        قصة : مصطفى الحاج حسين .

        تسلّق جدار المدرسة ، قفز إلى باحتها ،

ودخل صفّ ( سامح ) ، من النّافذةِ

المكسورة ، وفي الصّفّ كان بمفرده ، شعر

بالفرحة تجتاحه ، جلس على المقعد ،

واضعاً يديه أمامه ، مستنداً على المسند ،

دار على المقاعد ، وجلس الجّلسة ذاتها ،

وجد قطعة ( طباشير ) ، فأسرع نحو

السّبورة ، وبدأ يرسم خطوطاً كثيرةً ،

خطوطاً لا معنى لها ، فكثيراً ما كان يسأل

والديه ، عن سبب حرمانه وشقيقته

( مريم ) من المدرسة ، فتأتيه الأجوبة غير

مقنعة . والده يقول :

        ـ نحن أسرة فقيرة ، والمدرسة مكلفة ،

وأنا كما تراني .. عاجز عن إشباع بطونكم .

        ـ وكيف أدخل عمّي ( قدور ) أولاده

إلى المدرسة ، وهو فقير مثلك ؟!.

        ـ عمّك لا يعرف عواقب الأمور ، غداً

ترى ، سوف يضطرّ إلى سحبهم ، حين يعجز

عن دفع النفقات .

        ويتابع الأب كلامه ، كأنه يزفّ إليه

بشرى :

        ـ غداً سأبعث بكَ إلى الشّيخ ( حمزة ) ،

ليحفّظكَ القرآن الكريم .. وهذا خير بألف

مرّة من المدرسة .

وتحاول أمّه جاهدة ، أن تقنعه لتخفّف عنه

حزنه :

        ـ حفظ القرآن عند الشّيخ ( حمزة ) ،

سينفعك في الدّنيا والآخرة ، أمّا المدرسة

فلا تعلّمكَ إلّا كلمتي بابا وماما .

        ومن شدّة تلهفه وإلحاحه ، فقد تقرّر

أخيراً ، ذهابه لعند الشّيخ ، ولقد اجبر أمّه ،

على خياطة صدّارة ، تشبه صدّارة

( سامح ) ، وعطفاً على بكائه المرّ ، اشترى

له أبوه محفظة جلدية ، ودفتراً صغيراً مثل

( سامح ) .

        بات ليلته وهو في غاية السّعادة ، لم

يغمض له جفن ، كان يتحسّس صدّارته

التي ارتداها ، ومحفظته بمحتوياتها التي

تشاركه الاستلقاء في فراشه القطني . أمّا

أحلام اليقظة ، فقد بلغت أوجها في

مخيّلته ، الواسعة الخصوبة :

        ـ  سأتعلم .. مثل ( سامح ) ،

سأتحدّاه .. وأكتب على الجّدران اسمي ،

واسم ( مريم وسميرة ) وسأكتب بابا وماما

ودادا ، وسأحفظ الأرقام .. وأنا في الأصل

أعرف كتابة الرقم واحد ، تعلمته من

( سامح ) ، كلّ ما عليّ أن أمسك بالقلم ،

وأضغط بالقوة ، راسماً خطاً من الأعلى إلى

الأسفل ، وسأرسم قطتي أيضاً ، ودجاجات

جارتنا ، وحمار خالي ، وسيّارة رئيس

المخفر ، التي يخافها الجّميع .. والطّائرة

التي تطير كلّ يوم من فوق دارنا .. سأرسم

كلّ شيء يخطر لي ، القمر ، الشّمس ،

النّجوم ، والعصافير ، والكلاب ، الأشجار

العالية ..نعم سأفعل كلّ هذا ، لأنّ ( سامح )

ليس أفضل منّي .. فأنا أطول قامة ، وأقوى

منه ، عندما نتعارك .  

        وشعّت ابتسامته في الظّلام ، تقلّب

في فراشه .. متى سيأتي الصّباح ؟.. هكذا

كان يتساءل .. ثمّ أرسل نظرة إلى 

( مريم ) النائمة ، وتحسّر من أجلها ، لقد

بكت طويلاً ، لأنّ والدها لم يشترِ لها

صدّارة ومحفظة ، وحسدَ نفسهُ لأنَّه ذكر ،

فقد قال لها أبوها ، بعد أن ضربها :

        ـ يامقصوفة الرقبة أنتِ  بنت .. ما

شأنكِ بالمدرسة ؟!.

         سأطلب من شيخي أن يعطيني كتباً

كثيرة ، أكثر من كتب ( سامح وسميرة ) ،

سأقوم بتجليدها ، ولن أسمح لأحد أن

يلمسها ، سوى أختي ( مريم ) ، ف ( سامح

وسميرة  )  لا يسمحان لنا بلمس كتبهما ..

في كلّ يومٍ سأنال من شيخي علامة

الجيد ، ولن أكون كسولاً مثل ( سميرة ) ،

وفي آخر السّنة سأنجح بتفوقٍ ، وسأوزّع

السّكاكر على كلّ اهل الحارة ، ولن أطعم

وَلَدَي عمّي ، إلّا سكّرة واحدة لكلٍّ منهما ،

مثلما فَعَلَا معي ، يوم نجح إلى الصّف

الثاني ، لا فرق بيني وبين ( سامح )

سوى أنّه ينادي معلمه ( أستاذ ) وأنا أناديه ،

كما أوصاني أبي ، سيدي الشيخ . 

        في الصّباح الباكر ، وعلى صياح

الدِّيَكَة ، قفز ليوقظ أمّه ، وبسرعة غسّل

وجهه ويديه ، سرّح شعره الخرنوبي ، حمل

حقيبته الزّرقاء ، وانطلق رافضاً تناول

الزعتر والشّاي .

        دفع للشيخ ذي اللحية الغزيرة ،

الضاربة للبياض ، ربع ليرة أجرة الأسبوع

سلفاً ، وجلسَ على الحصيرةِ المهترئة ، بين

كومة الأولاد ، المتجمّدينَ أمام أنظار الشّيخ

المسنّ ، وماكاد يستقرّ في مكانهِ ، حتّى

أمره الشّيخ بالوقوف ، تأمّله بعينيه

الحمراوين ، فارتعش الفتى ، لكنّ الشّيخ لم

يشفق عليه ، بل صرخ :

        ـ ما هذا الذي تلبسه ؟.. صدّارة !!.. ما

شاء الله ، هل قالوا لكَ إنّ عندي مدرسة ؟!.

        انهارت أحلامه ، لم يكن يتوقّع مثل

هذه المعاملة ، من الشّيخ ، أراد أن يسأله

عن رفضه الصدّارة والحقيبة ، غير أنّ

الخوف عقل لسانه ، فجلس دامع العينين .

        ما أسرع ما ينهال الشّيخ ، على

الأطفال بعصاه الغليظة ، وما أكثر ما يغضب

ويثور ويحملق بعينيه المرعبتين ، وخلال

أيّام قليلة تعرّض ( رضوان)  إلى عدّة

( فلقات ) منه .

        وذات يوم .. ضبطه الشّيخ وهو يقتل

ذبابة بيده ، فانهال عليه ضرباً ، غير عابئ

بصرخاته ودموعه ، وأخيراً أصدر أمره الحازم :

        ـ التقط الذّبابة .. وضعها في فمكَ ..

وابتلعها .

        لم يخطر في باله مثل هذا الأمر ،

بكى .. توسّلَ .. ترجّى .. تضرّع .. سَجَدَ

على قدمَي الشّيخ يقبلهما ، استحلفه بالله

وبالرسول ، فلم يقبل .. تناول الذبابة ..

ووضعها في فمه ، فوجد نفسه يتقيّأ فوق

الحصيرة ، وضجّ الأولاد بالضحك ، بينما

جنّ جنون الشّيخ ، فأخذ يضربه ، ويركله ،

كيفما اتفق ، وبعد أن هدأت ثورته ،

واستطاع أن يلتقط انفاسه بانتظام ، أمره

أن يغسل الحصيرة والأرض . ولمّا كان

صنبور الماء قريباً من الباب ، أسرع وفتحه

وأطلق العنان لقدميه المتورمتين .. فأرسل

الشّيخ على الفور ، من يطارده من الأولاد ..

ولكن هيهات أن يلحق به أحد .

        في المساء .. عاد والده من عمله ،

تعشّى مع أسرته ، ثمّ أخبرته زوجته ، بأمر

هرب ( رضوان ) من عند الشّيخ ، فعضب

الأب وصفع ابنه ، وأمره أن يذهب معه ، في

الصّباح لعند الشّيخ ، ليعتذر منه ، ويقبّل

يده الطّاهرة .

        ـ الولد ابنك .. لكَ لحمهِ ولنا عظمه . 

قال الأب للشيخ .

        ـ لا عليكَ يا أبا ( رضوان ) . الولد امانة

في رقبتي .  قال الشّيخ مكشراً عن اسنانه

المنخورة .

        في ذلك اليوم ، لم يضربه الشّيخ ،

واكتفى بتحذيره ، أنذره من الشّيطان الذي

بداخله .

وبعد أيام وقع (رضوان)  في ورطة جديدة ،

  وكان الوقت ظهراً ، وكان الأولاد محشورينَ

مثل السُّجناء ، في غرفة صغيرة ، لا نافذة

لها ، كانوا يتصبّبونَ عرقاً ، شعر الطّفل

برغبةٍ لا تقاوم في النّوم ، رغبة اشدّ من

قسوةِ الشّيخ ، ولا يدري كيفَ سها ، وعلى

حين غرّة جاءته ضربة قوية على باطنِ

قدمهِ ، فانتبه مذعوراً ، وقبل أن يسبقه

بكاؤه ، تبوّل في مكانه .. بلّل ثيابه

والحصيرة ، وتعالت الضّحكات من رفاقه ،

وفقد الشّيخ رشده ، فلم يجد ( رضوان )

وسيلة للتخلص سوى بالبكاء ، بكى كثيراً ،

حتى رأف الشّيخ بحاله ، وسمح له

بالإنصراف . 

        منذ ذلك اليوم ، أطلق عليه الأولاد ،

لقب (  الشخاخ ) .

        من أجل هذا ، أخذ يجامل الأولاد ،

ويكسب ودهم ، ولكنهم كانوا أوغاداً ،

ازدادوا استهتاراً به ، وبمحاولاته لكسب

صداقتهم ، وكان الجميع يتشجّعون

وينادونه ( الشخاخ ) ، إلى أن جاء يوم من

أيام الشتاء ، عجز فيه والده ، عن دفع ربع

الليرة ، فطرده الشّيخ ، وكان سعيداً ، لأنه

أصبح حرّاً .. بعيداً عن الشيخ والأولاد .

        وجلس ( رضوان )  يترقّب موعد طرد

( سامح وسميرة ) من المدرسة ، لكنّ عمه

لم يعجز حتّى الآن ، عن دفع النفقات ، كما

كان يتوقّع والده ، وذلك أمر كان يحزّ في

قلبه .

        صار يتسلق جدران المدرسة ، ليراقب

( سامحاً ) الذي يلعب في الباحة ، مع رفاقه

أثناء الفرصة ، صار همّه الوحيد المراقبة

والانتظار ، لحين انصراف ( سامح ) . وكم

كان يلذّ له أن يأخذ الحقيبة من ( سامح ) ،

ليحملها عنه ، متخيّلاً نفسه تلميذاً ، وفي

تلك الأيام ، كان كثيراً ما يمرّ بالقرب من

أحد المعلّمينَ ، ليرمي عليه السلام ، وكم

كان يشعر بالغبطة ، حين يردّ عليه ، ظانّاً أنّه

أحد تلامذته . 

         وما كان يضايقه .. سوى الآذن ( أبي

لطّوف ) ، الذي يهرع ليلاحقه بدرّاجته ،

كلّما رآه متسلّقاً على الجدار ، وكم كان

يتهدّده بأنّه سيعيده إلى بطن أمّه إن

أمسكه .. وفي إحدى المرّات ، استطاع

الإمساك به ، كان قد تسلّق الجدار ، وجلس

يطوّح بقدميه ، ينظر إلى التلاميذ ، وبينهم

( سامح ) ، وهم ينفّذون درس الرياضة ..

كان يراقبهم بشغف ، وهم يركضون خلف

الكرة ، وكانت الغيرة تأكل قلبه الصغير ..

وفجأة أمسك ( أبو لطّوف ) بقدمه .. وأخذ

يشدّها بقوة ، و ( رضوان ) الذي صعقته

المفاجأة ، يصرخ .. وهو يحاول التملّص ،

غير أنّ (  أبا لطّوف ) تغلّب على الصغير ،

فارتمى بين ساعديه ، حيث قاده إلى غرفة

المدير ، غير منتبه إلى تبوّل الطفل في

ثيابه . 

كان المدير بديناً وأعورَ ، صارماً أشدَّ قسوةً

من الشّيخ ( حمزة ) ، أمره بالجلوس على

الكرسي ، وأمسك الآذن به ، ورفع له

قدميه ، وانهال المدير عليه ضرباً بلا رحمة ،

ولم يتركه إلّا بعد أن أقسم الطفل ، آلاف

المرّات ، بأنّه لن يعود إلى تسلّق الجدار ،

حمل حذاءه وخرج على رؤوس أصابعه ،

ينتحب بغزارة وحرقة ، في حين  كانت

(  كلابيّته )  تقطر بولاً .

        منذ ذلك اليوم ، أقلع ( رضوان )عن

تسلّق الجّدار ، صار يكتفي بالدَّوَران حول

سور المدرسة ، ينتظر ( سامحاً ) ، وكان

يصيخ السّمع ، إلى صوت المعلم ، المتسرّب

من النّافذة ، وهو يهتف :

        ـ عَلَمُ بلادي مرفوعٌ .

فيردّد التلاميذ خلفه :

        ـ عَلَمُ بلادي مرفوعٌ .

        وكان يتناهى إلى سمعه ، صوت

( سامح ) من بين الأصوات ، أو هكذا كان

يتخيّل ، فيشعر بالحسد .. ويتمنّى ذلك

اليوم ، الذي سيعجز عمّه ( قدّور ) عن دفع

النّفقات .  في تلك اللحظة فقط ،

سوف يسخر من ( سامح ) ، لأنّ هذا لن يكون 

متميّزاً عنه بشيء ، بل على العكس :

        ـ ( فأنا أطول منه قامةً .. وأشدّ قوةً ..

واسرع ركضاً .. وكذلك أنا أمهر منه في

قذف الحجارة ، ولا أخاف الاقتراب ، من

الحمير والكلاب  .) .

        في أحد الأيام ، سقط العمُّ ( قدّور )

عن ( السّقالة ) ، في أثناء عمله في البناء ،

وانكسرت رجله ، فاستبشر خيراً ، ولكن

زوجة عمّه ، سرعان ما خيّبت رجاء

( رضوان ) إذ باعت قرطها وخاتمها

الذهبيّين ، حتى تتمكَّن الأسرة من متابعة

العيش ، وكم كره زوجة عمّه هذه .. بل إنّه

يكرهها من قبل ، لقد رضع كرهها من أمّه ،

التي تطلق عليها .. لقب ( أمُّ عُصٍّ ) ، لأنّها

نحيلةً جدّاً ، في حين كانت أمّه ضخمة

جداً .. وهكذا توالت الأيّام ، وهو يمضي

نهاره ، حول سور المدرسة ، في انتظار

( سامح ) إلى أن جاءت العطلة الصّيفية ...

         فينتهزَ الفرصة ، ويقتحم صفّ

( سامح ) ، ويرسم على السّبّورة خطوطاً

كثيرة ، حتّى انتابته حالة انفعالية ،

غريبة .. فأخذ يكسّر المقاعد والنوافذ ..

ولم يخرج من الصّف ، إلّا بعد أن رفعَ

( كلّابيَّتهُ ) ، وتبوّل فوقَ طاولة المعلّم ..

وأمامَ السّبّورَة .

   
                         مصطفى الحاج حسين .
                                   حلب ...
التعليقات
0 التعليقات

كافة الحقوق محفوظةلـ سحر الحياة 2016
تصميم : أر كودر I تعديل: حنين