عاممقالات

باروخ وأشفور وأدمونٌ “من الحكايات الشعبية ليهود مصر القرائين _ ألحلقة التاسعة “

كتب . د. أحمد زكريا  
(القرن الثانى عشر

-9-
كانت القاعة من الداخل أشبه بطاولة كبيرة من الشطرنج، حيث اصطف المسلمون بعبائاتهم وجلاليبهم البيضاء ومن خلفهم يقف صف من العساكر والوزراء تغلب على ملابسهم أيضًا الألوان البيضاء والخوذات الفضية، ثم تمتد رقعة كبيرة من الأرض الرخامية صنعت من تراكيب ومربعات من بلاطات سوداء وبيضاء، 
وعلى الناحية الأخرى يصطف زعماء بنى إسرائيل فى مصر من قرائين وربّانيين ويهود السامرة وجميعهم تدثر بالسواد فأكسبهم مزيد من الوقار والعظمة لا يشوبها سوى ورقة جافة خريفية صفراء اللون تطفوا فوق بركه من القار الأسود، 

وخلافًا لطاولة الشطرنج المستوية كانت الأرض ترتفع شيئًا فشيئًا عند أحد جوانب ساحة معركة قطع الشطرنج الصماء عبر درجات سلم تزين جنباته تماثيل رخامية لأسود عمياء تزأر فزعة فى اتجاهات بعيدة عن ذلك العرش الخشبى المتواضع، يجلس عليه رجل أسمر البشرة صغير الحجم والعمر يرتدى قفطانًا من الخيش القديم المقصب بخيوط الذهب والحرير تعلو رأسه عمامة خضراء تتوسطها خوذة من النحاس الصدىء كأن صاحبها عثر عليها فى خرابات أحد المعارك الغابرة!

 جعل الصمت جميع من بالقاعة يبدوا مثل شواهد القبور لا يسمع فيها سوى خشخشة قلم الخليفة تخط سطورًا على رقائع من الورق والفرمانات واحدًا تلو الآخر يضعها أمامه صبى صغير لم يتجاوز الحادية عشر وما أن يضع الخليفه خطه الكريم وأمره العالى على المخطوطة حتى يتناولها غلامُ آخر فيظل ينفخ فيها ليجف الحبر محاولًا أن لا يبدوا كمن يقرا أو يفهم أى مما كتب فى اللفافة، فلقد كان المصوغ الوحيد لتلك الوظيفه هو الأمية والجهل، ثم يطوى الصحيفة 

ويضع الشمع الأحمر و يقدمها لحامل الآختام وهو رجل قبطى يجلس القرفصاء على الأرض فيضع ختم الخلافة الفاطمية على الرسالة ثم يقدمها لأمير الجيوش، لا أحد يعلم ماذا قد تحويه تلك الرسائل من أمور جسام؛ هل هى إعدامات جماعية؟ أم أوامر بالحرب وحرق مدن بأهلها فى بلاد بعيدة؟.. لا أحد يعلم..

كان المشهد يتكرر برتابة ولا أحد من الحاضرين يتجرأ على الحديث فيبدا المحاكمة قبل أن يؤذن بها، ربما شيىء ما استعصى على الخليفه فهمه أو أراد سؤال أحد من مستشاريه الرأى فرفع عيناه عن الورق والصحف التى أمامه كمن يسئل المساعدة؛ وقبل ان يتضح ما هيّة ذلك الشيىء بدى لو أن الخليفة بالكاد قد انتبه لوجود الحضور حوله من علماء الأزهر وشيوخ بنى إسرائيل؛ تحرك الخليفة بناظره بين الوجوه الجامدة فى القاعة كما لو كان ثعلبًا دخل لتوه قفصًا للدجاج يختار ضحيته، وكما تفعل الدجاجات؛ تعمد الجميع النظر للأرض 
وتجنب تبادل النظرات مع الخليفة المعظم الذى استقر بناظرية على شيخ الاسلام أشدهم خشوعًا وتجنبًا للنظر فى وجه أمير مصر فلكزه من كان يجلس بجانبه، وما أن رفع شيخ الإسلام رأسه حتى وجد كل من بالقاعة يحدق نحوه؛ فتجرّأ ونظر جهة الخليفه الذى بدورة هزّ رأسه معلنًا بدأ المحاكمة.. كانت تلك هى الإشارة التى انتظرها الشيخ الطاعن فى السن كما انتظرها الجميع.
قام الشيخ فنظم خطبة قصيرة مليئة بالشعر والثناء على خليفة المسلمين فذكر اسمه فيها سبع مرات وفى كل مرة ينطق باسمه يهب جميع الجالسون بالقيام تكبيرًا وتعظيمًا لحضرته؛ ثم أذن القاضى بإحضار التوراة ليقسم عليها اليهود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: