أخبار وفنعام

‏طقوسٌ سَكَندَرِيّة بطعم “أتينيوس”.

مطعم ومقهى “أتينيوس”
من أحَبّ الأماكن إلى قلبي

كتب . د. ياسر منجى  

يُعَدُّ مطعم ومقهى
“أتينيوس”، الموجود بمنطقة “محطة الرمل” بمدينة الإسكندرية،
أعرق المقاهي اليونانية بالمدينة، ويتميز بموقعه المُطِلّ مباشرةً على كورنيش
البحر، إضافةً لتَمَيُّز زخارفه وتماثيله المميزة، التي تُعطي رُوَّادَه انطباعاً
بالانتقال لمطلع القرن الماضي، حيث الروح الكوزموبوليتانيّة لعروس البحر الأبيض
المتوسط؛

 إذ تعبّر عن روح المدينة المقدونية القديمة، البادية على جدران المقهى،
من خلال نقوشه الذهبية المفعمة بالعراقة، ورسوم إله المرح اليوناني وأتباعه،
معكوسة في ١٨ شكلاً متكرراً، إضافةً إلى التماثيل اليونانية، النصفية والكاملة،
التي تملأ أركانه من الداخل والخارج
.

وقد أتت كلمة “أتينيوس” من
اللاتينية “أثينيوس”، التي تعني (الأثيني) باللغة اللاتينية؛ وهو لقب
مؤسس المكان ومالكه الأصلي، وكان يونانياً يُدعى “قسطنطينوس أثينيوس”،
تخصص في صناعة الحلويات والمثلجات
.

وكان “أثينيوس” قد حصل على
الأرض المقام عليها المقهى حالياً، من أحد الإيطاليين اليهود الذين كانوا يقطنون
المنطقة، بعد أن كان قد اتفق معه، على أن يبني له عمارة سكنية، في مقابل حصوله على
الأرض والدور الأول من البناية مِلكاً له. وطِبْقاً لهذا الاتفاق، باشر
“أثينيوس” تشييد المبنى في عام ١٨٩٧، وانتهى من إنجازه تماماً في عام
١٩٠٠. 

وافتُتِح مطعم وحلواني “أتينيوس” في يوم ١١ إبريل من العام نفسه،
ليصير، لاحقاً، أشهر حلواني في الإسكندرية متخصص في صناعة المثلجات، وليُصبِح
مقهاه ومطعمه ملتقىً لأشهر العائلات الأجنبية التي كانت تستوطن مصر وأغناها، مثل
عائلات “زُغيب”، و”موصيري”، و”نادلر”،
و”باسيلي”، وغيرها.

 وفي أربعينات القرن الماضي، عندما كانت الوزارات
تنتقل في فصل الصيف إلى الإسكندرية، اعتاد رجال السياسة والوزراء والباشوات، مثل
“فؤاد سراج الدين” رئيس حكومة الوفد، الاجتماع في المقهى، لتدور في
داخله العديد من السجالات والمناقشات التي رسمت ملامح السياسة المصرية آنذاك
.



وعقب وفاة “أثينيوس”، توَلّت
زوجته “إيليتا أثينيوس” إدارة المكان حتى عام ١٩٦٨، وأدخلت عليه بعض
التطويرات والتحديثات، منها: توظيف فرقة خاصة لعزف الموسيقى الكلاسيكية، وتخصيص
مساحة للرواد لرقص الفالز والتانجو. ونظراً لهذا البُعد الترفيهي، إضافةً إلى
تميُّز الخدمات، فقد أصبح “أتينيوس” المكان المفضل لمشاهير المجتمع
ورجال السياسة والفن والأدب
.


وبعد صدور قرار التأميم، ونقل ملكية
المؤسسات والشركات والمصانع الأجنبية للدولة المصرية، فقد آلت ملكية
“أتينيوس”، في مرحلة تالية، إلى مصري يُدعى “محمد أحمد نصار”،
ومن ثَمّ بات المقهى، في ظل متغيرات الأحداث، ملتقىً لأشهر رجال السياسة والمثقفين
ونجوم المجتمع خلال الحقبة الناصريّة
.

ومن أشهر المبدعين الذين اعتادوا
التردُّد على “أتينيوس” لفتراتٍ طويلة: أديب مصر العالمي “نجيب
محفوظ”، الذي كان محافظاً على الحلول به، خلال رحلاته السنوية المنتظمة
للإسكندرية، التي ألهمته رواياتٍ عديدة خلَّدَت عبقها الآسِر، من أهمها
“ميرامار”، التي رصدت تحولات المجتمع السكندري، وأوضاع الجاليات
الأجنبية بها، مستوحياً أحداثها من الفندق المجاور للمقهى، والذي كان يُدار أيضاً
بواسطة سيدة يونانية
.

أما أشهر الكُتّاب الأجانب من رواد
المكان، فكان الشاعر اليوناني السكندري الشهير “كفافيس”، الذي كتب خلال
جلساته فيه الكثير من الأشعار عن مدينته الأثيرة
.

ومن أبرز الأُسَر التي كانت ترتاد
“أتينيوس” خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، أسرة
الزعيم الراحل “جمال عبدالناصر”، التي اعتاد أفرادها الاحتفال
بالمناسبات الاجتماعية الخاصة بهم فيه
.


كذلك، كان من مشاهير رواد «أثينيوس»
الدكتور “علي الجريتلي”، الاقتصادي البارز، الذي تولى منصب نائب رئيس
الوزراء في أول حكومة للثورة
.

وحالياً، يُعَدُّ العالم الدكتور
“أحمد زويل” من أبرز روّاد “أتينيوس” الموسميين؛ إذ يرتاده من
آنٍ لآخر، لتناول الإفطار مع أسرته. وقد صرّح “زويل” لبعض الصحفيين بأنه
عندما كان طالباً في كلية العلوم، كان يجلس على كورنيش البحر أمام المقهى، ويحلم
بأن يأتي اليوم الذي يستطيع معه أن يجلس في داخله، مثلما تفعل صفوة المجتمع، وأنه
حقق أمنيته تلك بعد أن غدا شهيراً
.

وما زالت بقايا الجاليات اليونانية
والأرمنية والإيطالية، القاطنة بالإسكندرية، تستعيد أجمل ذكرياتها بين جدران
“أتينيوس”، كما يأتي إليه دائماً أبناء العائلات الأجنبية التي كانت
مقيمة في الإسكندرية وأحفادهم، في أثناء زيارتهم للمدينة
.


يضم “أتينيوس” صوراً وثائقية
نادرة لتاريخ الإسكندرية، منها: صور الميادين الرئيسية للمحافظة قديماً، مثل صورة
ميدان “محمد علي باشا” – ميدان المنشية حالياً – وصور تؤرِّخ لدخول
الاحتلال الإنجليزي إلى مصر، وآثار قصف قوات الاحتلال للمدينة، وهدم المنازل
والشوارع،


 فضلاً عن لوحة كبيرة لأفراد أسرة “محمد علي باشا”. كما يشتمل
المقهى على صور لزعماء الأمة ومناضليها ومحافظيها، بدءاً من خورشيد باشا (١٨٤٠ –
١٨٦٣)، مروراً ب”حسين باشا” (١٨٦٣ – ١٨٧٠)،
 وصولاً إلى آخر محافظيها.
يشتهر “أتينيوس”، حتى اليوم،

 بمجموعة من الأطباق اليونانية والإيطالية الخاصة، مثل: “الباستا” بفواكه
البحر، وطريقته الخاصة في إعداد مجموعة كبيرة من المأكولات البحرية. ومن أهم
أطباقه كذلك: الدجاج المحشو بالسبانخ والجبن الريكوتا، والسوفلاكي، والموساكا،
وحساء “المشروم” على الطريقة الإيطالية، والمكرونة بصلصة الألفريدو،
والرافيولي، واللازانيا، وكُرات الأرز بالجبن، إلى جانب الأطباق المصرية
التقليدية، والحلويات الشرقية والغربية
.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: