عاممقالات

السيلفي والسلفي


بقلم: رانيا الرباط
درسنا قديماً أن مصر تقع في الركن الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا ويحدها بحرين الأحمر والمتوسط، هذا هو موقع مصر الخارجى الذي يعمل رئيسها وجيشها حتى الآن علي الحفاظ عليه في زمن تتآكل فيه الحدود وتتلاشي لتمسح دولاً من فوق الخريطة وتصنع دولاً جديدة، لكن موقع مصر الداخلي الحالي أرى أنه يقع بين كفتى رحى سيلفي وسلفي؛كلمتان يفرق بينهما حرفاً يوقع بينهما بلداً!!! سيلفي يمثل التكنولوجيا بكل انفتاحها وأفكارها وسلفي يمثل الرجعية بكل مخلفاتها ونحن كشعب نقع بين هذين النقيضين بسبب أميتنا سواء التى تتخطي ال٤٠٪‏ أو أمية الطبقة المتعلمة التى لا هم لها سوى تقليد الأستيل الغربي في كل شيء من مأكل وملبس وتسريحات شعر وغيره دون الرجوع إلي تقاليدنا وأعرافنا التى نضرب بها عرض الحائط فقط لنتشبه بالغرب الذي كان أكثر ذكاءاً منا فبنى حضارته علي أساسنا الفكرى وموروثنا الثقافي (الذي نخجل نحن منه الآن) لأنه أبتغي المستقبل فوضع لدوله خططاً ومنهجاً فترجم من العربية كتباً فكرية وعلمية أنشأت نهضة تأسست حتى علي أسس ومباديء الأديان (التى طالما ودوما نتشدق بأنها جزء أصيل من طبعنا) التى تدعو إلي حرية المعتقد ونظافة الملبس واحترام قيمة العمل والعلم فكانوا كما قال الشيخ محمد عبده مسلمون بلا أسلام ، في حين أخذنا نحن عنهم خلطتهم السرية في قلي الدجاجة الكنتاكية وصوص الهاليبو الذي يغرق سندوتش البرجر الجبار نلتهم هذا الفاست فودد ونحن نرتدى التنانير القصيرة والاوف شولدرز ونقص شعرنا علي الطريقة القزعية!!!
سطحية تافهة أغرقنا بها شبابنا فنشأ جيلاً فارغاً لا يشغله سوى التفاخر بموديل السيارة والساعة أو السوار؛ وركضنا لاهثين ليتقن أولادنا لغاتهم الأجنبية لإضفاء المزيد من البرستيج ونحن ننظر بسخف وقلة أحترام لمن يتحدث العربية!!! أغتربنا في وطننا بجسدنا وعقولنا دون أن نبرحه فأصبحنا كالراقصين علي السلالم وكالعالقين تذرونا الرياح فلا نحن أغتربنا بفكرنا فبنينا كما بنوا ونهضنا وتقدمنا كما فعلوا ولا نحن تمسكنا بما كان لدينا فأضحينا أمة ضحكت من جهلها الأمم لا نجيد شيء سوى إلتقاط صورة سيلفي ندون بها أحداث يومنا الفارغ في حقيقة الأمر من أية أحداث أو مضمون أو عمل بحق يستحق التدوين فجل أحداثنا العظيمة تتجسد في نزهة قمنا بها أو مطعم زرناه أو شيء أبتعناه؛ لا ننتبه أن كثرة صورنا بتعابيرنا الجامدة والمصطنعة نزعت من حياتنا الإحساس وأفقدتنا الحياة لذلك لم نعد نهتز للنواكب ولا ننفعل في الأزمات فقديما كان المأتم في منزل يفرض علي الشارع بأكمله الحداد! أما الآن فالقائمين علي التعامل مع الأزمات هم أنفسهم من يلتقطون السيلفي بجوار جثث الضحايا!!! عوار يكشف خللاً رهيباً في بناء المجتمع الذي صعب علي البعض مجاراته فآثر الإندثار فكانت الدعوة السلفية التى عادت بنا إلي قرون مضت أنا علي يقين من أنها كانت أفضل حالاً من وقتنا هذا لأن ما كان بها كان يشبهها ويناسبها ولكنها بالنسبة لنا تعنى للخلف در وهذا الخلف لا يشبهنا ولا يناسبنا، وكالعادة ما هى إلا صيحة لا تتجاوز قشور المظهر فكان-من وجهة نظرهم وأنا هنا لا أتحدث عن السلفية كفكر فليس كل ما تركه لنا أسلافنا لا يعتد به أو لا يجب أن نعمل به بل أتحدث عن إفراغ الفكر الدينى من مضمونه وحصره في المظهر – طوق النجاة في إلتحاف وإتشاح المرأة بالسواد وكان بإجبارها علي الأحتجاب ببيتها وتربية ما تزربه من أطفال !!! دعوة جل ما يؤرقها طول أو قصر اللحية والجلباب!!!
وهكذا أصبحت -بين سيلفي سطحى وسلفي رجعى – ترقد مصر في سبات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: