أخبار وفنعام

أمير الصعاليك وشاعر البؤس “عبد الحميد الديب”

كتب/خطاب معوض خطاب
حينما نطالع سيرة الشاعر عبد الحميد الديب الذي مات عن عمر يقارب 45 عاما نجد أنفسنا أمام شاعر موهوب ملهم ومبدع، ولكنه بقدر موهبته وإبداعه كان لاهيا عابثا، وأضاع موهبته بل أضاع حياته كلها بنفسه.

فالشاعر عبد الحميد الديب الملقب بأمير الصعاليك ووريث الصعاليك وشاعر الفكاهة والبؤس، نشأ فقيرا ويرتدي ثيابا رثة شأنه في ذلك شأن كثير من الأسر الفقيرة المعدمة في أوائل القرن العشرين، وكان والده بحلم بأن يكون ابنه شيخ عمود بالأزهر الشريف.

ولكن عبد الحميد الديب الذي ترك بلدته كمشيش بالمنوفية وذهب ليدرس بالأزهر الشريف ترك الدراسة بالأزهر والتحق بمدرسة دار العلوم العليا طمعا في المكافأة الشهرية التي كانت تمنحها إدارة المدرسة لطلابها، فكان يتعيش من هذه المنحة بالإضافة للزاد الذي كان يرسله له والده من القرية.
ولكن سرعان ما توفي والده وتبعته والدته، وعندما لم يعد عبد الحميد الديب يجد من يسأل عنه أنشأ يقول:

الوالدان هلكت بعدهما
من لي على رد الأسى بهما
استوحش الدنيا كراهية
مذ ذقت كأس من فراقهما
ولأنه استسلم لحاله وما يمر به فقد ترك دراسته بدار العلوم وأصبح يقضي حياته في التسكع بين المقاهي والملاهي الرخيصة ومجالسة الصعاليك، نعم كان عبد الحميد الديب شاعرا مبدعا يمتلك موهبة فطرية لكنه لم يستطع أن يستغلها متحججا بفقره وبؤسه الذي يلازمه، مع أن طه حسين كان فقيرا مثله بل وكفيفا، وكذلك العقاد مان فقيرا مثله بل ولم يستكمل تعليمه، وأيصا المازني كان فقيرا مثله، لكنهم احسنوا استغلال ما خباهم الله به من مواهب إبداعية فوصلوا لما يريدون أما عبد الحميد الكاتب فانغمس في اللهو والعبث مدعيا أن الفقر والبؤس هو من تسبب في ذلك.


وقضى الشاعر عبد الحميد الديب حياته مع اللاهين والعابثين وأدمن الخمر والكوكايين، فتم سجنه كثيرا، أحيانا بتهمة السكر وأحيانا بتهمة العربدة وبتهمة المشاحنات أحيانا، ولم يكن من الغريب على من عاش حياته بطريقته تلك أن يقضي بعض عمره نزيلا بمستشفى الأمراض العقلية.

وأشعار عبد الحميد الديب تعد موسوعة في السخط على الدنيا والناس، وعدم الرضا بالقدر والمقسوم، فمن أشعاره:

بين النجوم أناس قد رفعتهم
إلى السماء فسدوا باب أرزاقي
وكنت نوح سفين أرسلت حرما
للعالمين فجازوني بإغراقي
والشاعر عبد الحميد الديب رغم إبداعه لم يكن يستغل موهبته الكبيرة في إنتاج أشعار تحسب له، بل كانت معظم كتاباته عبثية وفي بعض الأحيان بذيئة يتعفف القلم عن كتابة بعض حروفها ونكتفي بكتابة نقط مكانها:

دع الشكوى وهات الكأس نسكر
ودعك من الزمان إذا تنكر
لقد هام الأسى والبؤس بي
كأني عبلة والبؤس عنتر
كأني حائط كتبوا عليه
هنا يا أيها المزنوق ط..ر
ورغم عبث الشاعر عبد الحميد الديب ولهوه واتهامه للبؤس والفقر بالتسبب في ما آل إليه حاله، إلا أن بؤسه أحيانا كان يثير ضحكات من يعرفونه، فقد حدث مرة أنه سكن في غرفة وصفت بالحقارة في منطقة الحسين، وما أثار الأسى والضحك أنه قد وصل به الحال لأن يشاركه السكن بها جدي _ذكر الماعز_، وحدث في أحد الأيام أنه كان جائعا ولم يأكل منذ فترة والتقى صديقا له وشكى له حاله، فاقترح عليه الصديق أن يذهبا عند صديق ثالث ليأكلوا عنده، ولما وصلوا إلى بيت الصديق المنشود وجدوه قد مات، وعندها قال عبد الحميد الديب إن لعنته قد أصابت من ذهبوا ليأكلوا عنده فمات.
وهكذا كانت حياة الشاعر عبد الحميد الديب، شعرا وفقرا وبؤسا واتهاما للحياة ومن فيها بالقسوة عليه، ولكن قيل إنه قد تاب في أواخر حياته عن أفعاله ومتتقداته التي ظل مقتنعا بها طوال حياته، والدليل على ذلك من أشعاره قوله:

تبت من ذنبي ومن ترجـع بـه
نفسه لله يبعثه تقيا
توبة من بعد أن فزت بها
كل شيء صار في عيني هنيا
فتراني في السماوات العلى
أصحب الشمس وتعنو لي الثريا
ولدى سدرتها في موكب
ما حوى إلا ملاكا أو نبيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: