شعر وحكايات

رواية مزاد علني

بديعة النعيمي
دار فضاءات – عمان
” من وحل الواقع “
بقلم/سليم النجار
متابعة/لطيفة القاضي

البحث عن مسرح اللامعقول في نص روائي يبدو ضرب من ضروب اللاوعي ؛ للوهلة الأولى ويظهر ذلك جلياً في التشظّي للغة الرواية الممسرحة وتفكّك الزمان والمكان وغياب الحبكة الروائية التقليدية ؛ فإنّ هذه المسرحية التي أخذت صورة رواية قد تجلب سخط القرّاء على ان هذا الأسلوب هو تقليد للغرب وانّ القارئ العربي منغمس في أرضبة الأعتياد والنمطية لقراءة الرواية ؛ ولايمكن أن يعترف بشيء اسمه العبث . كما أن البعض من النقاد قد يصف هذا النمط من الروايات ؛ روايات رمزية ؛ أو الحلم وانّها ليست من صفة مسرحية العبث . والكاتبة بديعة النعيمي في روايتها ” مزاد علني ” تطرق مسألة هامة تتعلّق بالدراما العبثية باعتبارها أكثر انتشارا في هذا العصر ؛ : ( وبعد عملية بحث متعبة وجد مراده ؛ فشهقَ وقفزتْ عيناه إلى الخارج مسافة شبر .. إنه المكان المسمى بالمطبخ ؛ والذي لا يشبه مطابخنا التي تضم عدة رفوف خشبية خاوية إلا من أوعية بلاستيكية ؛ ص١٠ – ١١ ) .
وقد عرّجت الكاتبة في سردها على صياغة سرد سريالي ووجودي في نصها الروائي ؛ وكأننا أمام مسرح اللامعقول بمفهومه العبثي المستورد من من الغرب ؛ وقد ظهر تأثير هذا المسرح على بعض المسرحيات العربية المصرية خاصة في موضوع الشكل وفي الموضوع او الشكل ؛ مثل : ياطالع الشجرة لتوفيق الحكيم التي نشرت عام ١٩٦٢ ؛ وقد كانت عبارة عن تبرير لتوجّهه الجديد في تلك المسرحية ؛ معتمدا بالأساس على قدرات الفنّ الشّعبي وإمكانات الحسّ الشعبي على خلق الجديد من الإبداعات ؛ وهكذا فعلت الكاتبة بديعة اعتمدت على الحسّ الشعبي اتجاه الأغنياء ؛ مثل : ( ونشر الجهل ؛ حتى يتمكنوا من حكم شعبها بالطريقة التي يريدون ؛ وبعد ذلك تصبح الشعوب خانعة راضية ؛ وتقدم التنازلات بشكل مستمر ؛ ص٨٣ ) .
ولمسرح العبث تنظيرات ثفافية كثيرة عبر عنها ” صموئيل بيكيت ” في مسرحية في انتظار جودو ؛ الّتي أثارت الانتظار اللامجدي ؛ وأحداث الزمن المكرّر التي لا معنى لها .
ولم يعد هذا النمط من الإبداع معنيّا بمشكلات سلوكية ؛ او اخلاقية ؛ بقدر أخذ المواقف من تلك الأوصاف والتصرفات الإنسانية ؛ كما لايكترث بعرض الأحداث في شبكة تامة الخيوط ؛ وانما البحث عن ازمة في صراع درامي ؛ هرمي ؛ والتركيز على إعطاء صورة حدسية في شكل مأساوي لموقف الإنسان في هذا العالم ؛ : ( لماذا تختطف حبيبتي الآن أيها المأفون ؟ أما كفاك نصرٌ وروحٌ ؟ لماذا تسطو على كل ما يخصُّني وتسرقه مني ؟ ص ١٣٧ ) .
وتحاول الكاتبة الإجابة عن أسئلة ميتافيزيقية ؛ تقصّ روح الإنسان في بحثه ؛ عن معنى الوجود ؛ : ( اتعلم يا صاحب الكرش بأنّي تعلّمت جيدا كيف أتجولُ في متاهات قصرك كشبح تصعُب رؤيته ؟
وقريبًا سنتغلبُ عليك فانتظِرنا قريبّا … ص١٣٧ ) .
وفي ” مزاد علني ” لاتوجد في الرواية فواصل في الأزمنة والأمكنة ؛ فالماضي والحاضر والمستقبل أحياناً توجد في مكانين في نص الرواية ؛ ويتكلمون في نفس الوقت ؛ فكل شيء متداخل . كما تحدد تيمات الوجع والفراغ والقلق والسأم الّتي تهيمن على الشخصيات تعيش الزمن الميت حيث لا حركة ولاتحوّل ولا أمل في غدا أفضل ؛ وأيضا انحسار الفضاء وتقلّص أبعاده ؛ : ( لا تخافي ياسلمى ؛ لاتخافي يا مدينتي .. يا وطني ؛ كوني أيّاّ ما تكونين فقد تعاهدنا على تحريرك فانتظرينا ص ١٥٨ ) .
أمّا الموت السلبي فهو شعور عن العجز في الرّاهن عن تأثيث الزّمن بأفعال إيجابية ؛ ولذلك يشتدّ الحنين دائما للماضي ؛ بل حتّى إحساس السعادة مرتبط دائما بتأمل لحظة ماضية ؛ : ( وأنت الصغير الذي لا يقوى أن ينام من غير سماع دقّات قلبي كل ليلة ؟ .. ص ٣٧ ) .
ويتجلى هذا الموت السلبي في الإحساس العميق بقسوة الحقيقة ؛ كما يتجلى نشاز الحياة ولامعقوليتها ؛ : ( والأستاذ المسكين ؛ مازال يتمشى بين الطلاب في الطابور الصباحي ببدلة جدّه العاشر ؛ ويلكز ذلك الطالب اللاّمبالي لينشد …. بلاد العرب أوطاني ……… ص١٦٢) .
ويمكن القول ان رواية ” مزاد علني ” للكاتية بديعة النعيمي ؛ هي مرحلة مخاض التي يتفاقم فيها الخطاب الهووي مما يؤدي إلى طروحات قصوريّة متشنّجة في الظاهر ؛ لكنها ظاهرة صحية لمجتمع بصدد بلورة صورة أخرى لحاضره ومستقبله ؛ وهي كذلك ظاهرة خطيرة عند تراجع غريزة الوجود والبقاء لدى الأفراد والمجتمعات إلى حدّ تكريس الهويّات المتقوقعة التي لا تتنزّل في التاريخ بل في مجال الاسترجاع الهلسي للقدرة المفقودة .
كيف يمكن لنا أن نحكم على حال الهوية الإنسانية التي طرحتها النعيمي في روايتها بين كل كلّ المتناقضات التي تتجاذبها ؟
هنا لا ابحث عن إجابة على هذا السؤال الخطير في ظل اختزال هذه التناقضات في تيارات أيديولوجية متنازعة وفاعلة ؛ بل هذا متروك للقارئ عليه البحث عن هذه الإجابة إن وجد ضرورة لذلك .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: