مقالات

قهوة مضبوط

بقلم د. غادة فتحي الدجوي

من أجمل الأقوال التي ارتبطت بالقوة كانت ل ” وسيمي الأعرج” حينما قال (لا أحتاج شيئَا خارقًا ، فقط قهوة معك و بعض الراحة لأقول لك الرماد الذي داخلي، و الشموس التي لا تحتاج إلا ليد ناعمة تزيح عنها غيمة الخوف.)

و عندما قرأتها عدة مرات وجدت قلبي يود أن يحدثكم عن معاني كثيرة و أنا اشرب القهوة و كأنها حقيقة بداخل كل قلب ، جميعًا لا نحتاج إلى شيئَاً خارقا كي يكون سعيدَا أو يشعر بالرضا، ربما أشياء بسيطة و زهيدة و ربما مشاعر حقيقة صادقة من القلب من الذين يعيشون في حياته ، نعم ربما فقط فنجان من القهوة مع أشخاص تعشقهم قلوبنا و نشعر معهم بالأمان و الطمأنينة، ربما يكونوا أصدقاء مرت علينا سنوات العمر بأفراحها و أحزانها و ربما يكون الأسرة ..الأم و الأب و الأخوة و الأخوات أو الزوج و الزوجة… كل من في حيانا يعطونا الشعور بالصحبة الأمنة ” الصحبة الأمنة” … نتحدث إليهم من القلب دون خو من اصطياد الأخطاء أو الكلمات، يسمعونا بقلوبهم ليس بآذانهم، يعاملونا برفق، يحنوا علينا حتى إذا أخطأنا، فكيف لنا بجلسة حتي و لو علي الطريق أو علي أريكة قديمة عليها كليم ممزق ، أو بجانب الشباك الذي يطل بنا على الشارع بذكرياته أو حتى علي ضفاف النيل علي دكة الشارع تحت الشجر و العصافير… أم في أجمل مكان بالنسبة لي بيت أبي و أمي ، علي سرير أمي و صينية القهوة تتأرجح و نحافظ علي ” وش القهوة” لتكن الحكايات و نحن ما بين الجلوس و الرقود لنأخذ أنفاسنا و نتذوق القهوة لنحكي الرماد الذي بداخلنا و هذا الرماد يمكن أن تكون مصاعب الحياه أو ضيق العيش أو حتي مضايقات الأزواج و الزوجات و ربما أحلامنا التي نحاول تحقيقها… فلا ندري أين الطريق ليأتي الحديث و ينقل كل هذه المشاعر بأمان فيمحو الرماد و تتجدد الطاقة، و تظهر الشموس الت يبداخلنا هذه الشموس أفكار جديدة ، ضحكات حقيقية ، شغف يظهر من جديد، نصيحة صادقة تنير الطريق، كلمة حلوة تمحي الآلم، علاقة كادت أن تنتهي فنعيد اكتشافها و تبدأ الحياة من جديد… نعم جميعا نحتاج الى هذه اليد الحانية و الكلمة الطيبة و المكان الآمن الذي يسمح لنا بالحديث دون خوف دون قلق…

أحببت أن أشارركم أننا جميعا يمر بحياتنا أشخاص هم القهوة و حلاوتها و مذاقها الطيب، هم اليد الحانية التي تعطي و لا تفكر في الثمن، هم البسمة التي تمحو الحزن، هم المساحة الأمنة و القلب المفتوح الذي يمحو كل خوف و قلق، هم الذين يمحون الرماد من حياتنا و يساعدونا علي شروق شموسنا جميعا، و لكن إذا كنا محظوظين تقوى بصيرتنا و نراهم و نمتن لله علي نعمة وجودهم في حياتنا، و لا نضيع وقت حقيقي بصحبتهم، أما الموجع أن نكتشف هذه النعمة بعد زوالها من حياتنا.

علينا في هذه الأيام المقبلة الرائعة المباركة أن تكون فرصة لاكتشاف جواهر حياتنا…

امسكوا ورقة و قلم و ارسموا شجرة أسماء كل من في حياتكم ، فكروا في كل اسم و كم من المواقف التي مرت بكم، و كم كانوا داعمين و مساندين لكم و ارسموها كوريقات شجر، اكتبوا لنفسكم كم ايجابية اكتشفتوها بصحبة هؤلاء الأشخاص ، اكتشفوا الصحبة التي تكونوا صادقين بهم و معهم، من كان منهم معك قبل النداء، تعلمت منه و تعلمت معه، عندما تتحدث اليه ساعات لا تمل و الزمن يتوقف معه، يكتشف شغفك و مواهبك و أحلامك و يساعدك حتي و لو بالكلمة الحلوة و التشجيع لتصل إلى هدفك… حتي إذا أردت أن تبكي فلا تأمن دموعك أن تخرج إلا أمامه….

إذا وجدت هذه الأشخاص في حياتك فلا يهم عددهم بل يهم حقيقيتهم فتمسك بهم، اظهر ودك لهم، قل لهم أنك تحبهم و أنهم زاد الحياة، ابحث عن كل فرصة و كل وقت تقضيه بجانبهم، امنحهم بعض السعادة التي منحوك إياها في وقت من الأوقات، كن أنت الراحة لهم كما كانو لك ، كن لهم اليد الحانية التي تمنحهم الأمان و تشرق شموسهم.. أتدرون لماذا؟

لأن الحياة أخذ و عطاء، كيف يمكن أن نأخذ كل هذه المشاعر و المواقف دون أن نعطي ليس ضرورا بالمثل أو المسطرة، و لكن بالصدق … صدق المشاعر، صدق الرد.. قبل فوات الأوان، قبل الرحيل … رحيلنا أو رحيل أحدهم…

إلى كل زوج و زوجة اكتشفوا بعضكم البعض ، قدروا نعمة وجودكم في حياة بعضكم البعض، المحبة التي تعطيها لك زوجتك ليست فقط لأنها الواجب لأن مذاقها مختلف عندما تحب و تحاول إرضائك، لا تكسر قلبها بكلمة غير محسوبة أو تضعها في أولوية ثانية فتهمل حقوقها المادية أو الأدبية و اهتمام الزوج بك أيتها الزوجة و مراعاته لمشاعرك و إيثاره لك عن نفسه هو محبة و احترام و ليس تحت ضغط الحياه أو أنه لا يمكلك غير ذلك… أنتما في مركب واحد و عليكما التجديف سويًا ، و وجودكما في حياة الأخر ليس أمر طاريء أو بالضمان الكامل ، فإذا وصا أحدكما إلى عدم الرضا فستكون الحياة كالمياه الراكدة ، و ربما تكتشفون النعمة بعد فوات الأوان.

و إلي كل أخ و أخت، أنت الظهر و السند، اليمني و اليسرى لبعضكم البعض، خلقتم من رحم واحد ، فلما القسوة، لما البعد .. المال ، القوة، النفوذ…. ليس له طعم بدون أخوتك لأن من يفرح لك بصدق، و من يبكي عليك بوجع.. عندما نحزن أو يوجعنا أحد نقول ” أخ” ابدأوا مع أخواتكم فكم جمعكم طبق واحد و غرفة و احدة و الأجمل رحم أم واحدة، فكيف تقسون و كيف تخاصمون و كيف تعادون أحيانا… أتدرون ؟! اذا كنت أقوي علي تقديم أي شيء للحياة حتي و لو أتقاسم رئتي معه كي يبقي في الحياه ما كنت تهاونت أو ترردت للحظة … أوصلوا أرحامكم قبل فوات الأوان أنهم الشموس الحقيقية في قلوبكم.

الي كل صديق و صديقة و زميل و زميلة، أرزاقنا مكتوبة و مصائرنا مكتوبة فلا تطمعوا في أماكن ليست لكم ، ان الله سبحانه و تعالى يغرس في كل واحد فينا نبته موهبة و نبتة ابداع و تخصص… انظروا الي امكانياتكم و عقولكمو قلو بكم و ابداعاتكم و ابحثوا عن من يكملها لتصبحوا فريق قادر علي العطاء و البناء و الانجاز فالعمل الجماعي و الأيادي المتحابة تصنع المعجزات …

قلتبحثوا عن الصحبة العطرة ، الآمنة في حياتكم و لتشربوا القهوة الممزوجة بصدقككم لتمحوا كل المناطق الرمادية و لتكونوا الأيادي الناعمة الرقيقة التي تكشف الغيوم لتشرق شموسكم جميعًا …. انها قهموة مزوجة بالمحبة و الصدق و السلام…

و إلي اللقاء مع فنجان قهوة مضبوط جديد قريبا ان شاء الله يا شموس حياتي

إقرأ أيضا قهوة مضبوط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: