مقالات

ركز في ورقتك

بقلم / كامل رجب مرسي

هو ليه ربنا خلق ناس أغنياء وناس فقراء ، وليه فيه ناس مرضى وناس أصحاء ، وليه فيه ناس بتعاني وناس مرتاحة ، وما فضل الذي ولد في بيئة صالحة فأصبح ملتزما ، وما ذنب الذي ولد في وسط فاسد فأصبح منحرفا ، وهل كل إنسان واخد حقه في الدنيا 24 قيراط بس متوزعين ، طب ازاي واحنا بنشوف ناس اجتمع لها المال والصحة والذرية والسعادة ، وناس تانية اجتمع عليها الفقر والمرض والبؤس والحرمان.. تساؤلات تتردد في عقول الكثير ، وتجري على ألسنة الكثير ، إما بدافع من محاولة الفهم وإما بغرض الطعن والتشكيك

والرد على هذه الأسئلة يتطلب أن ندرك أن الدنيا ليست أصلاً بدار قرار ولا دار حساب ، وبالتالي فهي ليست دار عدل أو مساواة ، خلق الله الخلق ووزع الأرزاق وقدر الأقوات ، واقتضت حكمته جل وعلا أن يتفاوت الناس في الغنى والفقر ، والصحة والمرض ، والرفعة والضعة ، والسعادة والشقاء ، وهو العزيز الحكيم لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون..

فالناس ليسوا كلهم متساويين في نصيبهم من الدنيا ، حقيقة يؤكدها الواقع ويقرها المولى عز وجل أكثر من مرة في القرآن الكريم..

قال تعالى:

” وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ “

” وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ “

” وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً “

فالدنيا دار اختبار ، وتفاوت الأرزاق فيها فتنة ، وكل مبتلي فيها بحسب حاله..

“طيب ازاي تبقى الدنيا امتحان ، والناس بتدخل هذا الامتحان بمعطيات وأحوال متفاوتة ، ومطلوب منهم ينجحوا ، ألا ينافي هذا عدل الله ؟”

صحيح أن امتحان الدنيا المطلوب اجتيازه هو واحد للجميع ، ولكن عدل الله هنا يتجلى في التقييم ، فهو الذي يختلف باختلاف الظروف والأحوال .. يعني الذي دخل اختبار الدنيا بمال قليل غير الذي دخله بمال كثير ، والذي اجتاز الاختبار وهو مريض غير الذي اجتازه بصحته ، والذي مدة الاختبار بالنسبة له كانت 90 سنة ، غير الذي اختباره كان 30 سنة ، والذي عاش في عصر كعصر الصحابة والتابعين ، غير الذي عاش في زمن فتن وبدع ومنكرات القابض على دينه فيه كالقابض على جمرة من نار ، والذي نشأ في وسط ملتزم غير الذي نشأ في مجتمع بعيد عن الالتزام ، فالله أعدل من أن يحاسبهم كلهم بمعيار واحد ، ويدل علي ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

” إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا “

فلا تقلق من هذه الناحية لأن ربنا له معايير كثيرة في التقييم إحنا منعرفهاش ، مسألة الحساب وتقييم أعمال العباد أعقد وأعمق بكثير جداً من نظرتنا السطحية للأمور ، ربنا بيحاسب كل واحد لوحده ، حساب دقيق مفصل تراعى فيه ظروفه وأحواله وأدق ملابسات حياته ، كل واحد غير التاني ، وكل حاجة معمول حسابها ، وميزان الحساب عند الله بالذرة فتأكد أن محدش هيتظلم ، والله أعدل من أن يعاقب عبداً حتى يقيم عليه الحجة الكاملة ، أما مكافأة النجاح في الاختبار فهي:

” فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ “

ففيه ناس تنجح من 50% ، وناس تنجح من 70% ، وفيه ناس تنجح ب 20 و30 % ، كل واحد حسب المعطيات التي أعطاها الله له في اختبار الدنيا ، وفيه درجات رأفة يعطيها الله لمن يشاء ، فلا تشغل بالك بكيفية التقييم لأن الذي هيقيم هو خبير وحكيم وعادل لا يظلم

” الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ “

“حتى توزيع الدرجات محدش يعرفه غير الذي وضع الاختبار ، يعني ممكن عمل خير تعمله وأنت مستصغره ، تاخد عليه من الأجر أضعاف عمل تاني إنت شايفه كبير ، علشان كده ربنا أمرنا ألا نحقر من المعروف شيئاً ، فلا يدري أحدنا أي عمل ينجيه.”

“وعشان محدش فينا يعرف درجة النجاح بتاعته هتكون من كام ، وعشان محدش فينا يعرف إمتى هتتسحب من إيده ورقة الإجابة ، فمش مطلوب منك غير إنك تجتهد وتركز في ورقتك وملكش دعوة بغيرك ، متفضلش تبص لكل واحد في اللجنة ، وتقول ده قاعد على كرسي مريح وانا قاعد على كرسي مكسور ، وده قاعد تحت التكييف وانا قاعد في الشمس ، وده قاعد قدام وانا قاعد ورا ، وده معاه 10 اقلام وانا معايا قلم واحد ، وتفضل شاغل نفسك بكل حاجة ماعدا ورقة الإجابة ، لغاية لما الوقت ينتهي والورقة تتشد من إيدك وانت لسه مجاوبتش اللي ينجحك ، محدش بيطلع من اللجنة غير بورقة الإجابة ، وكل حاجة بتحصل جوه اللجنة معمول حسابها في التصحيح فمتشغلش بالك لإن مفيش حد هيتظلم ،

أما رب العزة فقد حسم تماماً مسألة الحساب وكيفية تقييمه لأعمال العباد حتى تطمئن القلوب وترتاح العقول فقال:

” وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ “

فكفى بالله حاسباً وقيماً ورقيباً ، فهو من وضع الاختبار ، وهو من خلق لكل إنسان ظروفه الخاصة ، وهو الأعلم بحال كل واحد ، وهو المطلع على خبايا الصدور ، وهو من يحاسب العباد بنفسه لا يوكل عنه أحداً وهو الحق العدل الكريم الرحيم سبحانه وتعالى عما يصفون .

إقرأ المزيد تأملات في قطار الحياة “صرخة “

“الحياة أون لاين “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: