حياة الفنانين

“عبد السلام محمد” عمل بالفن سنوات لم يعرفه أحد، وجعلته البلهارسيا نجما

كتب/خطاب معوض خطاب

نعم عمل الفنان عبد السلام محمد بالفن ما يزيد عن 20 عاما، فلم يعرفه أحد، وحينما قام بعمل إعلان البلهارسيا مع الفنان محمد رضا في ثمانينيات القرن العشرين، حصل على شهرة كبيرة وعرفته مصر كلها.

والفنان عبد السلام محمد واحد من نجوم الفن المنسيين المظلومين والمهمشين، وربما يكون جميع الفنانين الذين كتبت عنهم من قبل في جانب، ويكون عبد السلام محمد في جانب آخر، فهو حينما يطل علينا من الشاشة بقامته القصيرة، وجسده الضئيل النحيل، ووجهه المصري الأصيل، وعينيه الحائرتين الزائغتين، نجده يجسد ويصور لنا حال غالبية المصريين في الريف والمناطق الشعبية، فهو يبدو دوما في أدواره المختلفة مرهقا متعبا مريضا مهمشا مظلوما.

والفنان عبد السلام محمد رغم أنه بدأ حياته المسرحية على المسرح القومي بطلا في مسرحية “الفرافير”، بالاشتراك مع الفنان الراحل توفيق الدقن، إلا أنه سرعان ما انزوى وأصبح في طي النسيان، فهو ورغم إثباته أنه فنان ومبدع من الطراز الأول، إلا أنه مع الوقت بدأت تقل مساحات أدواره على المسرح والسينما، حتى أصبح متخصصا في أداء الأدوار الثانوية والمهمشة، ولم يحدث أن قام بأداء الدور الأول أو حتى الدور الثاني، ولم يحصل على ما يستحقه من الشهرة، رغم أن أعماله تركت بصمة لا تنسى لدى المشاهدين.

ولأننا نتحدث عن فنان وإنسان غير عادي، فربما يكون هو أكثر فنان عانى من التهميش في الواقع، وقام بتجسيد معاناته على الشاشة، وحينما نشاهده نعجب بأدائه ولا ندري أنه قد أبدع لأنه يحاكي واقعه ولا يمثل أبدا.

والفنان عبد السلام محمد يعد أكثر الفنانين الذين جسدوا أدوار المهمشين على الشاشة، فهو مثلا يبدع ويعبر تعبيرا عفويا صادقا عن أصحاب المهن المهمشة المتواضعة في أكثر من فيلم سينمائي مثل: ضربة شمس، والغول، والمتمرد، وسمارة الأمير.

وفي فيلم “يوميات نائب في الأرياف” جسد دور فلاح مجهول الاسم يسرق كوز ذرة، وعندما يعرض هذا الفلاح المريض الفقير الجائع على وكيل النيابة لا ينكر قيامه بالسرقة، ولكنه يبرر فعلته بأن قال لوكيل النيابة: “من جوعي!”، وعندما يطالبه مساعد وكيل النيابة بالعمل بدلا من السرقة، يرد عليه قائلا له إنه يرحب بالعمل ولكنه لا يجده!.

وفي فيلم “الفرن” يؤدي دور عامل بسيط فقير، يعاني من ضائقة مالية تجعله لا يستطيع توفير أدنى مستويات المعيشة لأسرته، وحينما يتوجه لصاحب الفرن بطلب قرض، يرفض طلبه ويطالبه بألا يتكل على ماله وأن يغض بصره عن مال غيره.

وفي فيلم “حنفي الأبهة” يطل علينا عبد السلام محمد في مشهد عبقري لا ينسى رغم قصر هذا المشهد، حيث أدى دور والد الفنان عادل إمام، وجسد شخصية رجل كبير السن، فقير ومريض ولكنه يتشبث بالمحافظة على الشرف والأمانة ورفض الحرام، وفي المشهد المقصود يرفع ابنه يده ويحاول التعدي عليه، وإذا بهذا الأب المريض الضعيف في هذه المواجهة التصادمية مع ابنه العنيف المتوتر، وهو لا يتسلح إلا بنظراته الزائغة الحائرة، التي تمتزج فيها الدهشة بالاستنكار بالحسرة بالوجع، وفي النهاية ينتصر الأب الضعيف بضعفه وصمته هذا على الشيطان الذي يسكن داخل ابنه.

والفنان عبد السلام محمد صاحب الإمكانيات الفنية الكبيرة، ربما تكون ملامحه وضعف بنيته ونحافته قد أثروا سلبا على مسيرته الفنية، وكانوا سببا في حصره في أدوار محددة لم يستطع الخروج منها طوال حياته الفنية.

والفنان عبد السلام محمد، ولد في الأول من يونيو سنة 1934، ونشأ في حي شبرا بالقاهرة، حيث شاهد فيه الكثير من الأنماط والنماذج البشرية وأسلوب كلامهم وتعاملاتهم وانفعالاتهم، وكان يقلدهم جميعا عندما يخلو بنفسه، وكان والده يطلب منه كثيرا أن يقلد الضيوف الذين يقومون بزيارتهم بعد انصرافهم، ودخل الكتاب ومنه ذهب إلى مدرسة الأمير فاروق الابتدائية، وأثناء دراسته الثانوية التقى والفنان محمد رضا الذي شجعه على خوض تجربة التمثيل، ونصحه أولا بدخول المعهد العالي للفنون المسرحية.

وفعلا بعد كفاح طويل وبعد سنوات دراسية عديدة فقدها بسبب حبه للتمثيل، حصل عبد السلام محمد على الشهادة الثانوية والتحق بالمعهد، وكان من زملائه عدد من المشاهير مثل: كرم مطاوع ورجاء حسين وعبد الرحمن أبو زهرة وعايدة عبد العزيز وعزت العلايلي وأحمد توفيق.

وقد عانى الفنان عبد السلام محمد في حياته كثيرا، ففي طفولته كان والده موظفا صغيرا بمصلحة السكة الحديد، وكان الوالد يعانى من قلة دخله المادي، والذي لا يكاد يكفي تكاليف الطعام، فما بالنا بتعليم وكساء أولاده.

وفي هذا الجو نشأ صاحبنا، في شبابه وبعدما نقش اسمه بحروف بارزة في تاريخ المسرح المصري المعاصر، عادت به عقارب الساعة للخلف، فاضطر يوما أن يقدم أدوارا لا تليق بعد نجاحه في مسرحية “الفرافير”، بل إنه قد اختفى عن الساحة الفنية لبعض الوقت، حتى قدم دوره الرائع في مسرحية نعمان عاشور”برج المدابغ” من إخراج سعد أردش. بعدها تزداد المعاناة عندما يسكن هو وزوجته وابنتاه في غرفة بمنزل في أحد شوارع عابدين، وقام وقتها بتقديم عشرات الطلبات للحصول على شقة، ولذلك فقد كان يقوم هذا الفنان الكبير بقبول أي أدوار تعرض عليه، فقط لأنه كان يحتاج للمال لإطعام أسرته.

اهكذا كانت حياة الفنان عبد السلام محمد في الواقع وعلى الشاشة، فنان مبدع وإنسان مهمش، انصهر واقعه وتمثيله في بوتقة واحدة، فقد كانت حياته الواقعية لا تختلف كثيرا عن أدواره على الشاشة، ولكي تكتمل الحبكة الدرامية والمأساة في حياته، فقد تعرض للإصابة بورم في الحنجرة، وتألم منه كثيرا وعندما ساءت حالته دخل مستشفى العجوزة مثله مثل أي إنسان مصري من عامة الشعب، وتوفى داخل المستشفى في يوم 27 يونيو 1992 عن 58 عاما.

وهكذا كانت حياته عبارة عن مأساة ومعاناة، فهذا النجم والفنان الإنسان الكبير عليه رحمة الله، كان يمتعنا بفنه ويضحكنا رغم ما كان يمر به من مصاعب وآلام جسدية ونفسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: