شعر وحكايات

باتجاه الشمس

سميع الخطيب

استيقظ باكرا، وراح يحتسي دلوا من الماء الخالص، غارقا في التفكير، فيما انتهت إليه ليلة الأمس ما بينه وبين أتانه التي علا نهيقها أرجاء الزريبة احتجاجا ورفضا منها لهذه الحياة وتلك الحالة، التي وصلا إليها.. إذ لا فصه ولا برسيم، ولا حتى نزهة في الحقول والمروج.. فالأخضر.. ليس فقط.. لم تلقمه منذ أمد؛ بل وحتى لم تره.

جاء قدري فجراً، وضع العصابة على عينيه رغم أن الضوء لم ينبلج بعد، وساقه إلى الطاحونة حيث شدّه إليها أول مرة؛ بعد أن وكزه تلك النعرة اليتيمة التي لم يحتج إلى غيرها.. وراح يدور – لكن على غير عادته – بسرعة تتناسب وما يدور في رأسه الكبير الفارغ، إلا من أصداء ما قالته وتقوله أنثاه، وأوجع ما في هذا الطنين؛ أنه لا غبن فيه ولا رد له، فلا الحياة حياة، ولا الطعام طعام، ولا الليل سرير، لا لعلة في الفراش أو السكون، بل لعيب فيمن يندس بهما بعد انهيار تام لجسد عفن متعرق ومفلس.

وغزّ السير.. و راح الأخدود الدائري في عنقه (من أثر الحبل ) يغوص

والجسم مركبة لهب تشق المدار… (من حرم شريكتي حق التمتع بعناق قلبينا )؟

.. سريعاً.. عنيفاً… وغاضباً … باتجاه الشمس.. عازماً على قهر القهر وسحق الحرمان.. وخارجاً.. نابذاً.. وخارجاً.. ناقماً.. ثائراً وخارجا حتى عن جلده إن استطاع

سعياً.. طلباً.. بحثاً.. لل… عن.. إذ خلف الضوء، ذاك الطيف السراب المحبوس وراء رذاذ المطر، ذلك الغيث المأسور في أكياس الغمام..

– دخل قدري غير مصدق والسعادة تعميه، وراح يفرغ الأكياس في جرن الطاحونة، التي وصله صريرها معلنة تذمرها من أن تطحن نفسها، (أحسنت يا حماري، ومكافأتك ستكون بإضافة بعض الملح إلى دلو شعيرك مساء، وأغلق الباب خلفه) .

قست حركة الطاحونة، فتباطأت سرعته بشكل قسري، وأيقن أن وصوله إلى قوس قزح صارمستحيلا.

إلا أن إصراره على رؤية النور، ازداد تأججا مما ضاعف من جهده لبلوغ الربيع بكل ألوانه،وكلما ابتعد في مكانه عن آلامه، كبرت لجة الذاكرة، وعبق المكان بالغبار واللهاث والروائح السيئة.. مسرعاً… ملهوفاً.. ومغتاظاً.. سآتيك مكللاً بالعطر والورد والشرائط الحريرية، بالأوسمة والأطعمة والسكاكر.. بالأجراس والخلاخل والألجمة الملونة المطرزة… وتعانقينني حتى لا يبقى في جسدنا خلية وحيدة النواة، وتضحكين نشوى من التحامنا الذي سيطول.. وحثيثاً يصول ويجول في دائرته، منشغلاً عن المسافة المقطوعة بضجيج الهتافات والصيحات والعبارات المشجعة، والأكف الملتهبة من التصفيق، لهذا الحصان الذي يرمح في ميدان عقله، فكلما قطع شوطا، وكلما حلق فوق حاجز من مأساته، كلما اخترق الحبل بعضا من جلده، فاتكا بطبقة من أديمه.

اندلف العرق غزيرا وكذا الدم، لكن قدري لم يتنبه إلى أن حماره الأعرج يعاني من انتفاخ وتورم كبير فوق حافره ؛ بسبب الظلام الدامس الذي حلّ..

– ساق قدري الحمار إلى الزريبة، قاذفا كومة من التبن وسطها.. باصقا خلفه.

..بالكاد رأى وجه رفيقته الباسم لعودته المبكرة بعد أن أزاح صاحبه العصابة عن عينيه، وقد تمنى لو أنه لم يفعل، فالظلام الذي خرج منه عاد إليه، فلا النور بلغه، ولا حتى الشعير.

..تكوم على الأرض متصدعاً، فيما أنثاه ترقبه دون أن تبصر السوار الأحمر القاني الذي يطوق عنقه، خائبة الأمل والرجاء من عودته الباكرة بعض الشيء، وقبل أن يتسنى له التفكير بالغد، وقوت الغد، وطحنة الغد، وصاحـ..بَ..ال..ط – .. صاح الديك… خارت البقرة… زقزقت العصافير…ونفق الحمار

….و وضع قدري العصابة…. على عيني …… .. الأتان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: