شعر وحكايات

عندما تكون الإشارة…قصة قصيرة

 سميع الخطيب

اقتطع ورقة بيضاء من دفتر مهمل, هو الباحث في عالم النفايات. وكم من النعم تُهدر على تلك الأرصفة و في مستوعبات القمامة.

كان منجمه قرب البريد ذاك النهار، فزادت الجمهرة المتزايدة من بلاهته، وكأنه يتساءل في خلده عن تلك الحشود المتلاطمة، أمام ثقب زجاجي لا يتسع إلا لقبضة يد تحمل مظروفاً.

في حين أن بوابة البهو الرئيسية المغلقة، كانت كبيرة جداً، ولأنه كان لا يزال يحمل في عين ذاته بقايا من كحل الطفولة، استحضر بعضاً من حكايا الجدّة.

(إن السماء بوابة الدنيا، و الناس تنزل منها كالغيث، بيد أن باب الخروج سّم خياط، فالأرض التي تستقبل الهابطين أفواجاً وجماعات، تفارقهم فرادى).

تنحنح فضوله وراح يحثّه على التشبه بهم، والخوض في تجربتهم، فكثيراً ما يكون السعي إلى بلوغ الهدف أكثر متعة من بتحقيقه.

..التقط ورقة .. تسّول ظرفا .. حشرها فيه، والتحم مع النافرين منه، انشقت أمامه صخرة المتراصين، لا بقوة العصا بل بدافع الريبة و الخوف من العدوى، إذ شاع مؤخراً في الأوساط الصحية، أن من تحررت روحه من عبودية الجسد ، شخص موبوء ممسوس عقلياً، أو مسكون كما يحلو للبعض القول.

وراح يحلق منعتقاً؛ تقدم نحو الكوة.. الفجوة.. الفتحة.. التي بدت أوسع ما يمكن، مهللة بقدومه، وكأنها بانتظاره. وعلى الجانبين, فوق صفوف الأصنام، استرخت روائح بلاهته كالضبيبة .

– أدخل مكتوبه.

قلّب الموظف الظرف؟.. لم ير ما يقرأ!

سأله مستفسراً: إلى أين وممن؟

– أمال رأسه رفع حاجبيه وفغر فاه ،محملقا في سحنة الموظف، وزمَهم دفعة واحدة كمن يطرد ذبابه عن أنفه لانشغال يديه ، معبرا عن جهله وعدم أهمية ذلك ..

– زوّم الموظف عينيه، شفتيه متفرّسا يمخر أمواج جبينه…. فبادره بابتسامة لا يجيدها إلا من هجرت العظام مغارته ..

ولأن الشك بداية اليقين, ولأن لثتيه الضامرتان، حالتا دون ترجمة تلك الحركة، بسمة بريئة هي، أم ضحكة تهكمية، تفاقمت ريبة الموظف الذي أقرّ في دخيلته أن هذا الواقف أمامه ـ على درجة عالية من الخطورة.

ضغط زراً مخفياً عن المراجعين, يتدلى بين فخذيه.

فهبط من السماء وربما نبع من الأرض، هو لا يدري، ملكان.. حارسان.. وقاداه إلى قبو.

وفيما السلّم يغالي في السقوط, وضوء النهار يغرق في العتمة, عادت إلى ذاكرته تلك البقايا من حديث الجدّة (عن أنكر ونكير) والنفق الأسود الذي يضيق باتجاه اللّحد.

سرّ لوجود ضوءٍ خافت فوق رأسه، وسط الوسط، فالأعمال الحسنة تضيء ظلمة الحفرة

ـ أهذا لك؟

ـ نعم: قالها بإيمائة من رأسه.

فضّه الموظف.. أخرج الورقة البيضاء منه. قّلبها. لا شيء! ما الذي خطّ عليها وماذا فيها؟..

ـ قلب شفته السفلى، بمعنى لا أعرف

ـ لمن ترسلها ؟

ـ أغلق منخريه بشفته العليا – ليس مهماً – فتأذى الموظف من توجيه شعيرات الشارب كالسهام نحوه.

ـ أكرر قالها بحزم: ما تحوي؟ وما وجهتها؟ صارخا إلى أين تريدها أن تصل، وما غرضك منها؟

ـ أجابه لكي يتخلص من ألم إطباق القبضة المكتنزة على رقبته النحيلة، لأي كان. للذي سيتلقفها عنوةً، أو تصله صدفة. أما مضمونها فمرهون بظنونه، أحلامه، نواياه…. بأمانيه… فاللعاشق غزل, و للحزين بشرى و للصياد مكيدة.

أُطفئ المصباح، و عمي الظلام

ـ أدرك أن حسناته نضبت وجاء دور سيئاته.

ليطل جدّه هذه المرة نجما ً يضيئ مخيلته، وقال له: ردد على مسامعهم، لكي يرفقوا بك، أركان النجاة.

– وراح يتلو مرتجفاً، فرطوبة المكان خانقة.

السلام ربي – المحب النظيف نبيي – والعدل والمساواة والتسامح كتابي.

..تورم مشهد الملكين مع عصيّهم الغليظة.

فرفع صوته، و عجّل في التلاوة كي لا يسمع فرقعة عظامه، وشتائمهم.

ـ سنحيلك إلى بسطرمة ، قبل إدخالك إلى فرن جهنم؛ أيها الزنديق..قال أحدهم.

…في التراب تتحلل عناصر الأرقام… وكل شيء..

أياماً وليالي استغرقتها الورقة، في مخابر التحاليل وغرف الأشعة. قطعت شوطاً طويلاً ، وتأبى إلا أن تُظهرَ بياضَه.

جُنَّ العقلاء من الحيرة… وبعد الإفلاس… عقدوا اجتماعاً للنظر في مصيره.

اتفقوا في المبدأ لكن اختلافهم وتفرقهم كان واضحاً في النتيجة والقرار.

منهم من أقر بعدم سويته العقلية, وبأنه مجنون لا يسأل ولا يلام, مطالبين برفع الألم عنه. ومنهم من طالب بإطلاق سراحه وتتبعه لعله يرشدهم إلى الشبكة بأكملها.

وفيهم من أصرّ على إعترافه، وهناك من أكّد عبقريته ،ولذلك هو حريصٌ على إبقائه وإقراره، معبرا عن إجهاده وتعبه مطالبا بالاستراحة، ليباغته ملتح أقرع –استراحة ماذا، لنتوقف لقد انتهى الدوام.

عُلِّق الأمر إلى صبيحة يوم الاثنين, بسب انتهاء الدوام الرسمي, قبل انقضائه بساعات ثلاث فليس لباقي الأيام ما للخميس من شفاعة, وخصوصاً إذا كان يلي السبت عطلة رسمية, ستتيح للمثقلين من عناء أداء الواجب، التنزه.. والاستجمام,

بعيداً عن الدوائر والأدوار.. وضجيج المستغيثين…

عند الإشارة تكون الدقيقة حمراء وفي المنتصف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: