أدم وحواء

إلى ابنتي ….الطريق من هنا .

حبيبتي الغالية ها أنت اليوم تحصدين غرس أعوام ، اليوم تتزينين بتاج النجاح وأي نجاح؛ النجاح في شهادة البكالوريا

فهنيئا لك بهذا الإنجاز .

وقبل أن تبدأي القراءة أريدك أن تعرفي أنني يوما ما كنت تلميذة وتذوقت حلاوة المذاق ومرارة التساؤل ، كنت محتارة واتمنى أن أجد شخصا يجيب على اسئلتي ليرشدني من البداية وينير عتمتي ويزيل الغموض من حياتي ،لأصل لهدفي وأحقق هدفي ولا أضل الطريق ،وأحدد بوصلتي وارسم خريطة مستقبلي، واعلم أنك هنا تتسألين لذلك سأجيبك هنا بنفسي وبلغة سلسة وبكلمات محب لحبيبه فأنت ابنتي وحبيبتي وامتدادي ،فأسأل الله لي ولك التوفيق والسداد فهو الموفق.

ها قد كبرت حبيبتي وصارت طالبة جامعية ،وصرت مسؤولة عن نفسك وتصرفاتك ،وتحقيق أحلامك ،لم تعد حبيبتي طفلة صغيرة تتلقى كل صباح قائمة من التنبيهات من الأم والأب والمدرسة الكل يحذرها من الوقوع في الخطأ ويعلمها الصواب، فتمتعض وتبكي وتثور وتغضب مرددة لست صغيرة ، فأنت اليوم صرتي مسؤولة فانطلقي واعملي ما ينفعك وينفع أمتك وتميزي بعلمك وأخلاقك واحصدي نهاية المشوار الجامعي فخرا وسعادة ورضا .

وأهمس لك هنا إن قالوا لك أنت نصف المجتمع فأنا أقول لك أنت المجتمع بأكمله.

اعلمي حبيبتي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(أقربكم إليه منازل يوم القيامة أحسنكم أخلاقا )،فحسن الخلق في التعامل مع الخلق له منزلة عالية عند الله ورسوله ،وأن تكون نيتك في ذلك خالصة لله تعالى،وليس من باب أن يقول فلانة (كيوت )، إرضاء لغيرك واهتماما لنظرة الأخر عنك،فما أجمل أن تقرن عبادة طلب العلم بحسن الخلق ،ففعلي الخير وعاملي كل من حولك بإحسان واحترام ، وما تفعلينه يعود إليك فإذا زرعت شوكا أدمى قدميك،وإذا زرعت وردا استمتعتي بعبيره وابهجك رونق ألوانها وأسعدك منظرها الخلاب فسبحان البديع الخالق الوهاب ، فاختاري أيهما أفضل هل تزرعين شوكا داميا أو زهرا فواحا، فالقرار لك وأنت صاحبة القرار ،فأنت الآن مسؤولة عن كل اختبار .

أوصيك بقول الشاعر إيليا أبي ماضي واجعليها قرطا في إذنك .

كن بلسما إن صار غيرك أرقما

وحلاوة إن صار غيرك علقما

أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا

لولا الشعور الناس كانوا كالدمى.

وجميلة تلك الفتاة المحبة عندما تكتسي بالحياء و تتوشح بالستر ،وتمتثل لأمر الله تعالى وتنتهي بنواهيه وتتعفف عن الدنايا، فهي في طلب العلم رسولة مجاهدة وليست في مسرح لعرض الأزياء تتسابق نحو العري والموضة بحجة أنا جامعية

،بنيتي اعلمي يقينا أن الستر لا ينقص من جمالك ،ويحجب بريقك بل يزيدك حياء ويسترك جمالا فوق الجمال.

فالفتاة حياؤها ميزان ،فيه الأنوثة تزدهي وتزدان ،فيا جميلتي ليست الجامعة مكانا للتبرج والسفور ،والتفنن في رسم الحواجب والعيون ،لتفوزي بنصفك الثاني على خطا نصيحتهم ،ولكن أي نصف سيكون ،فالعبرة ليست بالظفر برجل بل أي رجل سيكون، وأنت لست نصفا أو جزء لتبحثي وتلهثي عمن يكملك ، فتقربي إلى ربك بترك المحرمات والشبهات ،واعلمي أن الله لن ينساك وسيؤتيك رزقك ويعوضك عما يليق بأخلاقك وصبرك ومجاهدتك في محاربة الفتن ،ولتكن قدوتك أمهات المؤمنات والصحابيات ،لا فتاة قدوتها الممثلات والمغنيات ، ولنا نموذجان من الطالبات

طالبة العلم حجابها ستر وحشمة ووقار.

وطالبة علم حجابها تبرج وزينة وفتن.

طالبة علم تبكي لأحوال المسلمين والمسلمات وهتك غزة وكل المقدسات .

وطالبة علم تبكي بحرقة لموت بطلة المسلسلات والمغنيات المخنثات.

فأي الطالبات أنت ؟

حبيبتي لا تغرنك الشهادات وكل المسميات فالنبي صلى الله عليه وسلم بلغ سدرة المنتهى وعاد يجلس ويأكل مع الفقراء ،وينام على الحصير ، ويربط بطنه من شدة الجوع ، يخيط ثوبه ويساعد أهله ،ويلاعب الصبيان ويمازح الشيوخ ويشارك أصحابه ،وبعضكن دخلت الجامعة فعادت إلى البيت مهمومة نادمة ، تسخط من اسمها القديم عائشة وخديجة ،وتخجل من بيتها الذي أواها ، فالكل لم يعد من مستواها ،فلا تكاد الأرض تحملها ،ولا تخجل وهي تتطاول على من رباها وأفنى العمر ليرعاها، غيرت اسمها من خديجة إلى زيزي أو أي اسم تراه مناسبا لمستواها، فاعلمي بنيتي أن خلق التواضع رزق له مذاق لايستطعمه إلا من ذاقه وتحلى به

فتجد لذته في القلب منشرحا ، وسعادة في الروح ، ولغة التواضع واضحة كالمحجة البيضاء لا تحتاج إلى ترجمان .

فالجامعة مكان قدسي مشرف يتشرف بذات الأخلاق والإسلام لا يطلب منك الزهد والانزواء والحياة التعيسة المنعزلة كما يدعي بعض الجهلاء ،بل دينك دين عزة ورفعة وإباء ،يدعوكي لتكوني مثقفة بكل العلوم وواعية لما يدور حولك ،لا غافلة لاهية ، ديننا دين سعادة ومرح ومتعة بالحلال ،فاعقدي العزم واخلصي النية وتوكلي على الله في أمرك فأنت في عبادة طلب العلم وما أعظمها من عبادة .

وإن سخروا منك اهمسي لهم قائلة :أنا القرآن رباني وعلا في الورى شأني ، أنا القرآن أدبني ونقاني ويسري في شراييني ووجداني .

واعلمي بنيتي أن الحياة دروس وعبر ، ومن لم يزد على الحياة شيئا فهو زائد عليها ،وقيل قديما من لم يعلمه أبوه أو أمه فإن الحياة تعلمه وكفى بالحياة معلم .فكوني نبيهة متيقظة الذهن والفكر، لا بليدة تمر الأحداث تباعا وأنت لم تتعلمي .

بنيتي أثق بك وأعلم أنك ستصلين إلى مبتغاك وأفتخر بك دوما وأبدا وسأقول يوما ليس بالبعيد وبفخر واعتزاز هاهي ابنتي، وأنت تغردين منطلقة انا حفيدة خديجة وعائشة ،فالميدان يحتاجك والمستقبل لك

. بقلم د. فتيحة بن كتيلة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: