عام

بلال زبيبي.. يعود بــ “قمر الدين” الغوطة من “تحت الصفر”

كتب / ماهر المونس

بلال زبيبي، أو أبو خالد، وجه من الوجوه السورية، يحكي وهو صامتٌ بابتسامته التي لا تنجح في إخفاء جروحه مهما تظاهر بعكس ذلك.

خلال إعدادي لتقرير عن حلويات الغوطة الشهيرة (قمر الدين) لصالح وكالة فرانس برس (الفيديو في التعليق الأول)، كانت لديّ فرصة استثنائية للاستماع إلى حكاية جديدة من حكايا الحرب المخفية، وفي الوقت نفسه، كانت الذكرى تتجدّد بين تلافيف دماغي.. وشريط الصور يعود عشر سنوات للوراء..

فيما يلي، جانبٌ بسيط من حكاية أبو خالد، حكايته التي تشبه مئات الآلاف من الحكايا السورية.. مع تغيير بسيط في الأسماء والأماكن وبعض تفاصيل ندبات الحرب…

بلال زبيبي.. يعود بــ “قمر الدين” الغوطة من “تحت الصفر”

بلال زبيبي.. يعود بــ “قمر الدين” الغوطة من “تحت الصفر”

لا يعرف بلال زبيبي منذ متى وعائلته تعملُ في صناعة حلويات قمر الدين الشهيرة في سوريا، إلا أنّه يرغب في استئناف بما بدأ به أجداده منذ مئات السنين، حتى غدت عائلته، واحدة من أشهر العوائل التي تبرع في هذه الصنعة.

وكادت سنوات من الحرب عصفت بمزارع غوطة دمشق ومعاملها، أن تقضي على هذه الصنعة عن بكرة أبيها، لولا أن عاود زبيبي وأمثاله تدريجياً في العام الماضي زراعة المشمش، وتشغيل ورشات صغيرة تصنّع الحلويات الأشهر في المدينة.

و”قمر الدين” هو حلوى شعبية، عُرفت بها غوطة دمشق على وجه الخصوص، وهي عبارة عن مشمش مجفّف بالشمس بعد أن يمرّ بمراحل عدّة، ليأخذ في النهاية شكله المستطيل، ويقدّم على الموائد ولا سيما في شهر رمضان.

ويقول زبيبي (63 سنة) وقد وضع قبعة بيضاء على رأسه “المشمش أشهر أشجار الغوطة، وقمر الدين أبرز حلوياتها”.

وشكّل مشمش الغوطة، المادة الأساسية لصناعة قمر الدين في ريف دمشق، لكنّ النزاع طيلة سنوات قضى على أكثر من ثمانين بالمئة من أشجار الغوطة عموماً وفق رئيس دائرة الزراعة في الغوطة الشرقية، محمد محي الدين لوكالة فرانس برس عام2019، ما اضطرّ أبو خالد واخوته وأبناء عمومته أن يشتروا المشمش من أرياف القنيطرة ودرعا.

وبحسب تقرير صادر عن وزارة الزراعة السورية عام 2012، فقد كانت البلاد في مقدمة منتجي المشمش عربياً، بكمية وصلت إلى نحو مئة ألف طن عام 2012، لكن تقريراً آخر صدر عام 2020، يُظهر تراجع انتاجه إلى نحو 36 طن.

بلال زبيبي.. يعود بــ “قمر الدين” الغوطة من “تحت الصفر”

-تحت الصفر-

ترك أبو خالد عمله في الهندسة المدنية، والتفت بشكل كامل إلى مزرعته وسط الغوطة الشرقية، بعد أن رحل عنها عام 2012، وعاد إليها عام 2019 ليجدها ركاماً، ويقول لوكالة فرانس برس “تركت مزرعتي وفيها أكثر من 1500 شجرة مشمش، وعدتُ إليها ولم أجد فيها ولا شجرة واحدة”.

يأخذنا أبو خالد في جولة داخل أرضه، ويتحدث عن مخلّفات المعارك التي وجدها، ومنها قذائف وصواريخ وأنفاق وخنادق. ويستذكر كيف تحوّلت مزرعته كثيفة الأشجار إلى “أرض قاحلة مليئة بالمتفجرات”. ويقول بحسرة “لم نرجع للصفر، بل إلى تحت الصفر (..) كان عليّ البداية من جديد بتنظيف أرضي وحرثها وإعادة زراعة المشمش”.

-مراحل التصنيع-

يقطف المزارعون المشمش أولاً، ويتم وتنظيفه بالماء من الخارج، ثم وضعه في غرفة محكمة الإغلاق، وتبخيره بزهر الكبريت حتى تخرج كل الديدان والحشرات بداخله.

ويشرح أبو خالد “بعد ذلك، ينتقل المشمش إلى مرحله فصله عن بذوره عبر مصفاة كبيرة، ثم يتجمع في وعاء تمهيداً لعصره على أربعة مراحل، حتى يتحول إلى سائل لزج خال من أي صلابة”.

في المرحلة التالية، يتم خلطه بوعاء معدني مع السكر، ويُنقل على دفعات ليُنشر على دفوف خشبية مدهونة بزيت الزيتون تحت أشعة الشمس لمدة خمسة أيام.

ومع حلول هذه المرحلة، تنطلق عاملات ملثّمات تضعن قبعات دائرية الشكل على رؤوسهن، نحو جداول قمر الدين، وتبدأن بفحص ما نضج منها حتى يتم نزعه في ساعات الصباح الأولى.

بلال زبيبي.. يعود بــ “قمر الدين” الغوطة من “تحت الصفر”

يتحول السائل اللزج إلى قطع مستطيلة كبيرة متماسكة، يتم نزعها عن الخشب، وتقطيعها على شكل قطع مستطيلة صغيرة، قبل ان يغلّف ويعلّب ويصبح جاهزاً للتوريد أو التصدير.

وبحسب زبيبي، تتميز الغوطة دون سواها بصناعة قمر الدين، لتوفّر ثلاثة عوامل أساسية، هي وجود المشمش ذو النوع المميز، وتواؤم الحرارة والرطوبة. وتكره صناعة قمر الدين المناطق الجبلية والمرتفعة والرياح التي تحمل الغبار والاوساخ.

وبدأت فكرة صناعة قمر الدين منذ مئات السنين، حين فاض انتاج المشمش في غوطة دمشق عن حاجة سكانها أضعاف المرات، فابتكر السكان حينذاك آلية للاحتفاظ به لفترة أطول دون أن يفسد بحسب ما يروي أبو خالد. فيما يتداول سكان الغوطة أن أصل هذه الصنعة يعود إلى العصر الأموي، حين بحث المسلمون عن مشروبات مليئة بالسكريات، لتعوّضهم عن نقص السوائل خلال فترات الصيام في شهر رمضان.

إقرأ المزيد على موقعنا

تكريم أسرة مسلسل “ولاد ناس” في المركز الكاثوليكي للسينما المصرية

سلاف فواخرجي كبارنا بقلوبنا وتحية لكل الفنانين اللذين مهدوا الطريق وعلمونا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: