شعر وحكايات

من صميم المعاناة تولدُ الإرادة والإبداع

طفولتِي في مرحلتي رياض الأطفال والأساس، والمشقّات التي حدثت معي في مرحلتي الأساس ورياض الأطفال :

منذُ بداية طفولتِي للّحظة أتذكّر أغلب المواقف التي حدثت معي؛ منذُ أن دخلتُ الروضة إلى نهاية المرحلة الأساسيّة تعلمت من الحياة أن أكون مع نفسي، أتقاسم الهموم لوحدي دون أن يشاركني أحدٌ، ولكن في الواقع لم يَكن باستطاعتي الانفراد على وحدي في أغلب الأوقات وقد شاركت أكثر من شخص في التفاصيل الصغيرة والمعقّدة خاصة في مرحلة الأساس.

في اليوم الأول من دخولي مرحلة رياض الأطفال تحرّكتُ من المنزل إلى الروضة مشياً على الأقدامِ وفي يدي قلم رصّاص ومبراة ونصف كرّاس (كراس مقسّمة على نصفين) وصلت للتوِّ إلى مدخل الروضة فإذا بأخِي ينتظرُ مجيئِي، قابلتهُ في البابِ فاتجه بي إلى الفصل. كان الفصل مكونًا من عشرة طفل وطفلة، في اليوم الأول مكثْنا طويلاً ولم يأتِ أحدٌ من معلِّمي الروضة لتوجيهنا بشيءٍ ما حتى انتهى دوام اليوم الدراسي. ذهبنا إلى البيوت وأنا أحمل أسفاً كبيراً في قلبي، كنتُ أتساءل ماذا يعني أن نكون في الفصل هكذا دون شيءٍ؟ هل نحنُ سجناء أم ماذا ؟

في اليوم الثاني خرجتُ من المنزل متجهاً إلى الروضة ولكن لم أذهب إلى الروضة، بل خرجتُ مع أطفال الحيّ إلى طرف القرية نلعبُ الألعاب مَعاً حتى انتهى دوام اليوم الدراسي ورجعت إلى المنزل مع أطفال الحيّ، ولكن المزعجُ في الأمر؛ أخي علم بخبر أنني لم أذهب إلى الروضة، ولكن حينما رجعت إلى المنزل لم يخبرني بشيءٍ ولم يخبرْ أحدًا من أفراد الأسرة حتى أمّي وأبي! في اليوم الثالث ذهبتُ إلى الروضة محطّم من الأمل والقوة.. أن أكون في نفس الفصل الذي كنَّا فيه قبل يوم دون أن نعرف لماذا ذهبنا إلى الروضة بدون أن نحصل على جرعة ما؛ إن كانت درساً أو ألعاباً شعبية حتىٰ! دخلتُ الفصل مع الأطفال وبعد دقائق قليلة أتى أخي وهو يحمل فرع شجرة رحيفة طوله لا يتجاوز متراً أو أكثر بسنتمترات، ألقى بي إلى الأرض فبدأ يعاقبني وأنا أبكي وأتألّم جرحاً بالألم بل الأطفال صاروا يبكون معي وكأنهم يشعرون بنفس الألم! استمرّ في عقابِي فكان ذلك العقاب السبب الأول لتمرّدي من مآلاة الروضة والعقاب الجسدي.

اقرأ أيضا القراءة حياة أخرى

كيف نحبب أطفالنا بالقراءة ..بقلم / كاملة عزام

ومنذ ذلك اليوم تمرّدتُ على الأسرة فقلتُ لهم: لا أريد أن أذهب إلى الروضة فهناك عقاب أشدّ من الموت. أمي سمِحت لي بذلك ومنذ ذلك الوقت انحرفتُ من تعليم رياض الأطفال نهائياً .

إلى العام 2005 من الميلاد تم تسجيلي في مرحلة الأساس ولكن هذه المرة كنت بأمل أكبر ففِي أيّ امتحان كنتُ أجتاز الدرجات العليا. لم يحدث يوماً أن أخرج من قائمة التلاميذ العشرة الأوائل كنا نُحب المنافسة، لقد كنتُ رائعاً في أيّ فصل دراسي حتى الفصل الثامن وهو المرحلة الأخيرة من مراحل تعليم الأساس المقررة في قانون وزارة التربية والتعليم في البلاد ، استمرّت الدراسة حتى جاء أيام الامتحانات ولكن الأصعب في الأمر نحنُ نقيم في منطقة والامتحانات في منطقة أخرى، والأصعب من هذا بعدُ المسافات فالمسافة لا تقل عن 25 كيلو مترٍ أو أكثر، والمعابر كلها صخور حجرية وجبال متسلسلة يصعب عبورها بساعات محددة والرحلة فقط المشيَ على الأقدامِ لا غير ، فجاء الوقت وأنا بلا إرادة ولا أمل للامتحانات كنتُ خائفاً من أنْ أذهب مع التلاميذ إلى حيث مقر الجلوس للامتحانات دون أنْ أنجح.

فِي يوم من الأيام قبل الامتحانات بيومين فقط أصبحتُ صباحاً بصراخ الأمهات والآباء يودّعونَ أبناءهم، البعض يبكي والبعض لا يعرف ماذا يقول فكان ذلك أول رحلة تعليمية بعيدة عنِ المحلية ، الصراخ مستمر والوقت يمضي وأنا بلا أمل وإرادة ولكن حينما رنَّ جرس الساعة العاشرة صباحاً جاء أحدٌ مع ابنه وقد قِيلَ له أنَّني ما زلت في المنزل لم أذهب مع التلاميذ فِي ذاك الوقت أخبرني بالذهاب مع ابنه، بل أجبرني على ذلك من أجل الامتحانات ، أخذت ألملمُ الأغراض؛ القليل من الكتب والدفاتر وقليلٌ من المال، وقبل أن يرنَّ جرس الحادية عشرة خرجنا من القرية قرب المنطقة التي يقيم فيها الامتحانات ونحنُ لا نعرف أيّ معبر يؤدّي بنا إلى الطريق الصحيح! خرجنا نسأل كلُّ شخص في الطريق لكي لا ننهي الوقت في الطريق الخطأ، كنا نسير ونسأل إلى أن غابت الشمس ونحن مازلنا في نصف المسافة لم يتوقف أحدٌ منا رغم التعب والإرهاق الجسدي إلى أن وجدنا أحدًا في الطريق فبدأ يسأل من أين أتيتم ؟ وإلى أين أنتم ذاهبون ؟

أجبتهُ نحنُ تلاميذ ذاهبون لأداء الامتحانات ولكن الآن نحن نحتاجُ مكاناً للاسترخاء قليلاً هنا، نحتاجُ القليل من الماء والطعام فقال: اتْبعونِي سأجد لكم ما تريدون، إلى أن وصلنا إلى منزل شيخ من شيوخ القرية، رجلٌ بمعنى رجل، إنسان بمعنى الإنسانيّة، رحّب بنا أحرّ ترحيب بصدرٍ عالٍ، أشربنا الماء وأطعمنا أشهى المأكولات وبعد الطعام شربنا الشاي، أخذنا وقتاً طويلاً معه في الحديث عن المعبر والمعاناة التي لحقت بنا، تحدثنا طويلاً وبعد مرور الوقت خرج نحو غرفته فقالَ لنا: ناموا بسلام، عند الصباح عليكم الذهاب مبكراً المسافة ما زالت بعيدة الحدّ ، فنمنَا في منزله حتى صاح الديك وأذّن الصبح فغسلنا وجوهنا وبعدها أكلنا بعض الأطعمة المفضلة لهم في الصباح ، وبعد ذلك خرجنا من المنزل بصحبته وهو يصف لنا المعابر القريبة التي باستطاعتنا بواسطتها الوصول في الساعات المبكرة،. فذهبنا معه مسافات طويلة تقارب الكيلومترين أو أكثر فوقف إلى حدّ ما، فأخبرنا بالسير بلا توقف راح يلتفت ويقول: اذهبوا بسلام يا أبنائي فليكن النجاح حليفكم، فقلنا له شكراً لكَ، دمت بسلام وأمان في ديارك .

السير مستمر حتى ساعات العصر من مساء اليوم الثاني في رحلتنا، الوقت الساعة الثالثة مساءً وصلنا إلى المحلية ونحن مرهقون حدّ الإنهاك أيّ منا متعبٌ أكثر من الآخر، أخذنا بعض الأوقات للاسترخاء حتى غابت الشمس، وبعدها بدقائق قليلة جاء أحدٌ من الطلاب ليأخذنا إلى داخلية التلاميذ وصلنا هناك، أمضينا الليلة وفي اليوم الثالث خرجنا مبكراً إلى المدرسة للجلوس في حجرات الامتحانات وصلنا المدرسة فجلسنا منهمكين وبلا أمل للنجاح جلسنا الامتحانات المقرّرة وعند فجر اليوم التالي من آخر امتحان خرجنا إلى حيث أتينا ولكن عند العودة كان السير أرحم بكثير من الأول، البداية كانت الرحلة بالعربات ذات الطراز القديم مفتوحة الظهر عربات البضائع المحلية . وصلنا إلى حدّ ما ونحن على ظهر العربات متجهون إلى المنطقة التي نقيم فيها سابقاً فاستمرينا في السير حتى وصلنا إلى أقرب محطة ولكن يفصلنا أكثر من أربعة عشر كيلومترات من المنطقة نزلنا عن ظهر العربات فكان الوقت على مشارف غروب الشمس بنصف ساعة فأمضينا ليلتنا هناك حتى الساعات الأولى من صباح اليوم الثاني إياباً في رحلتنا أصبحنا وأي منا يحمل محفظته على ظهره متجهين نحو منطقتنا، تحركنا ووصلنا في ساعات الظهيرة فتلقينا ترحيباً حارّاً من آبائنا وأمهاتنا بل والدموع تذرف من وجوه كلُّ الأمهات والآباء ففيهم من يحاول إخفاء دموعهِ بأن لا يظهر ولكن الوضع شديد الصعوبة تبادلنا الأحضان مع أمهاتنا وآبائنا وإخواننا وأخواتنا وكلُّ من تقابلنا معه في الشارع أو في الأحياء، وبعدها مضينا بهمومنا، هل كان بالإمكان الذهاب إلى مكان بعيد مثل هذه من أجل الامتحانات ونحن نقيم في وطننا ؟

وبعد ذلك هل يمكننا أن ننال ثمار الجهد بعد كلُّ هذه التعب والمعاناة والمشقّة والحرمان من النوم خارج منازلنا وإرهاصات العقل والتفكير ؟

بعدها أمضينا وقتاً طويلاً حتى جاء وقت إعلان النتائج، ففِي صباح يوم من الأيام جاء أحد زملائي في الدراسة فأخبرني أنّ النتائج قد ظهرت! سألتهُ هل نجحت يا أخي ؟ فكانت الإجابة بلا .

فبدأ قلبي يحترق وبدأت أتساءل ومع نفسي وأجيب نفسي، فسألت زميلي هل أنَا ناجحٌ ؟ فأجابني أنه لا يعرف بذلك، لم ينظر للنتائج كلَّها فقد أصابه الإحباط بعد فشله في النجاح، فِي الوقت نفسه رفعتُ رأسي وخرجتُ بسرعة ولكن المفاجأة الأكبر؛ أنَا من الناجحين بل من أوائل المدرسة فقد أحرزت المرتبة الأولى فكدتُ أموت فرحاً بعد أن كنتُ محبطاً من أن أذهب مع التلاميذ لأداء الامتحانات وأنا بلا أمل للنجاح ولكن في النهاية نجحت نجاحاً باهراً فبقت هذه اللحظة تجولُ في خاطري، بدايتها معاناة وانتهاءاً بفرحة لا تصدّق.

في نهاية القصة نصيحتي للجميع ( النجاح يولد من رحم المعاناة فلا تضيع فرصتك حتى ولو كانت التجربة خطراً على حياتك، فلا تقلق لو فشلت في التجربة الأولى ستنجح في التجربة الثانية أو في الثالثة وهكذا فلا تفقد أملك أبداً، جرّب ما لم تجرّب يوماً ما بقوة وأمل كبيرين).

بقلم

/الفاتح محمد عبد الشافع ..السودان

اقرأ المزيد مها عمار نجمة “نجوم في كي جي تو” في عيد ميلادها 28

الطير الأخضر” بقلم بسمة عبيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: