مقالات

الشعر والحرية وتحطيم التقاليد في تطريز خارج الثوب الضيق

كتب /عماد مجاهد

الشعر والحرية وتحطيم التقاليد، هذا ما نجده في المجموعة القصصية تطريز خارج الثوب الضيق للكاتب محمد عطوه. المقصود بتطريز خارج الثوب الضيق هو كسر التقاليد والخروج منها.

تتحدث المجموعة القصصية عن هموم الأبطال، وإحساس بالمرارة والغربة، والقلق والتوتر من الحياة. كما يوجد عدد هائل من أسماء البنات والسيدات في قصص المجموعة وهذا يؤكد أن للمرأة نصيب كبير من الاهتمام فينص المجموعة العام. رغم أن العلاقة بين الرجل والمرأة داخل المجموعة ينقصها دائماً شيء. قد نجد صراعا بين زوج وزوجة مثل قصة فك ارتباط، وقصة صداع. في قصة نكوص زوج يسافر ويترك زوجته. يسافر للخارج لينفق علي البيت، مع تعاظم إحساسه بالغربة، وعدم الانسجام مع زوجته.

التلميح للسرد :

السرد الغير مباشر هو تقنية محمد عطوه في التعاطي مع مضمون قصصه. هو لا يكتب ما يقصده أو يبث فكرته فى أحداث مباشرة واضحة تكشف لنا ما في عقله. دائما نجد القصة المكتوبة تفضي إلى قصة أخري مختلفة، مخفية، لم يكتبها، ولم يذكرها صراحة. من أمثلة ذلك قصة صداع : ملخص القصة المكتوبة، سيد بين البيت والمقهى والمحكمة. تزوج أنثاه الجميلة. كانت رقيقة. بعد وقت أصاب الزوج الملل. أصبح يجلس في المقهى معظم الوقت. زوجته أيضاً تغيرت. ترفض أن يقترب منها. تمنع عنه جمالها. أصابها صداع، ثم قالت أنها خانته. لا تتذكر مع من. يشك فيها، لكن يثق في أخلاقها. حكي لأصحابه. “صداع نصفي قلب حياة زوجتي ” جرب الطبيب النفسي، بعد الزيارة الثالثة، قال الطبيب زوجته سليمة.

كل هذه الأحداث التي حكيتها، هي المكتوبة في قصة صداع. يلمح بها محمد عطوه، بل ويقصد قصة خفية لم يكتبها، نستنتجها بعد شهر العسل حيث الملل الذي أصاب الزوج. يجلس علي المقهى يترك البيت. فكرت الأنثى الجميلة زوجته في طريقة لتستعيد زوجها كي يجلس معها كما في السابق، مثل شهر العسل. ادعت الصداع، منعت عنه جسدها وجمالها لم تفلح، فكذبت وقالت أنها خانته، أخلاقها السابقة هزمت شكه، ذهب للطبيب النفسي، قال الدكتور إن زوجته غير مريضة، عاد ليجلس فى البيت وترك المقهى.

يكتب القصة كشاعر:

محمد عطوة يكتب القصة كشاعر، فهو في الأساس شاعر، له دواوين كثيرة، يحتفظ بالشعر عند كتابة القصة، رغم أن عدداً كبيراً من الشعراء، تركوا الشعر تماما، وكتبوا القصة والرواية، دون استخدام أساليب الشعر.

احتفظ محمد عطوه بأسلوب الشعر، نجد لغة شاعرية جميلة، في صفحات المجموعة القصصية فقي صفحة 30 قصة حكاياتها القصيرة جدا “عند الحد الفاصل بين الطبقات الأولي لمريدي العشق الصوفي وسريان الوجد، رأت في رجلا كامل الأوصاف، ورأيت فيها امرأة جمعت بين ضفاف عينيها كل نساء العالم “

ميزة عميقة في الشعر حين نجد مسافة كبيرة بين الكلام المكتوب والمقصود منه، كلما زادت المسافة، أعطي هذا عمقا شعريا.

في قصة تمرد : تهمة البطل والتحقيق معه، تفتح أبواب كبيرة للتفسير.

“الأوراق تثبت إدانتي الدامغة بترك الفئران ، تأكل مستندات الدائنين ، للبنك “

“أنا محبوس علي ذمة تسهيل مهمة فئران، كثيرة للعبث بالمال العام ” تهمة لا يتقبلها عقل البطل وكأنه يتصل بالفئران، ويتفق معهم لأكل ملفات الدائنين للبنك، ووضع خطة ونفذتها الفئران، هذه أركان الجريمة.

لم يكتب محمد عطوه حكاية مباشرة عن مدير كبير له نفوذه، لفق قضية لموظف صغير، حيث يكون النص ملتصق بالمقصود منه أو دلالته المباشرة، لكنه جعل التهمة عبثية، وجعل المسافة كبيرة بين النص المكتوب والمقصود منه. جعل مطرقة الظلم طويلة اليد، تطيح بهذا الموظف عبثية التهمة وعبثية الواقع.

الاهتمام بجمال الفتاة الشابة :

عل امتداد المجموعة القصصية وصف لجمال النساء، الممثلة، الزوجة، الأجنبية الفاتنة، قصة دانية ودانية اسم بنت، كانت تلميذة البطل في الصف الخامس الابتدائي، تكبر لتصبح صاروخ من الجمال، تقابل أستاذها. هي في العشرين من عمرها، ذات ملامح أوروبية “عيناها نهران من عسل رائق، شفتان أفريقيتا الشكل، أوروبية اللون، وجه يحمل منمنمات، البهجة، أنف بريطاني، وجنتان إيرانيتان، رموش عربية، جبهة قوقازية، شعر أصفر… أنا عربية”

في هذا المقطع من قصة دانية، يصف هذا الجمال الفتاك.

أرواح تبحث عن الحرية :

هناك أرواح تبحث عن الحرية والتمرد، والمجموعة القصصية تعرض حيرة الإنسان، وبحثه عن الحرية، وتمرده ورفضه للقيود، عندما لا يصل الحر المتمرد للحرية، يشعر بالموت.

قصة لعدم ثبوت الأدلة:

تحدث جريمة قتل، والجميلة الفاتنة القتيلة، ليس معها بطاقة شخصية، لايعرفون من هي، تظهر صورتها في الفضائيات مع خبر القتل، “الإعلان الذى يتواتر بثه، في قنوات التلفزة، يستجدي من يقر بمعرفة صاحبة هذه الجثة، التواصل مع الأرقام المبينة علي الشاشة ” تتوالي الاتصالات، وكل واحد يقول اسم فتاة تشبه القتيلة، ربما تكون هي، أسماء كثيرة، ولكل واحدة حكاية،

أحلام / هناء/مهرة / رنا / بلقيس ، القاسم المشترك ، أن كل واحدة تمثل الحرية، والتمرد علي القيود، ورفض القبح الأخلاقي. شخصيات تحب الحرية، وتعيش من أجلها.

أحلام :”فتاة عشرينية قالت أن الجثة لصديقتها أحلام ” “قتلت بسبب إصرارها علي البوح برغبتها في كسر الحاجز ” ماجستير في تأثير التراث الخطابي علي رسالة الإعلام الموجه” تمرد أحلام ورغبتها في الحرية وكسر القيد، هذا مايتضح من حياتها.

هناء : مثقفة في شقتها كتب، “خربشات متمردة علي الصمت الأبدي ” إجبار المصريين علي بناء مقابر الأهرام ” “إعتلاء نفرتاري صدرو رجال القبيلة ” “” دونت رفضها نظريات الثبات وقيود الإبداع “

هناء شخصية تبحث عن الحرية أيضا، هناء كمثقفة تحمل جينات الفكر والتحرر، والحرية علي المستوى العام.

مهرة :صحفية ترفض الزيف الأخلاقي، والكذب والقيم القبيحة المنتشرة، مهرة ترفض العيوب الأخلاقية، المنتشرة فى تصرفاتنا، وتتمني زوالها، محامية قالت مهمرة موكلتي ،

“طالبت أن أرفع دعوي طلاق ضد رجل يمارس السكر حتي الإشباع والنفاق حتي الثمالة”

“طالبت في عمودها الأسبوعي بوقف عمولات وأد الحدائق نهارا، وزراعة سيقان النساء في عشاءات عمل ليلة “

رنا :تتمرد على أنوثتها بقص شعرها

بلقيس :تطلب الحرية بشكل مختلف حيث تطرح سؤال الجذور الثقافية والفكرية لنا من خلال سؤالها عن شجرة العائلة والأصل

تحطيم التقاليد :

التقاليد موجودة في كل مجتمع. الجيل القديم هو الذى يقدس التقاليد، ويحافظ عليها. الجيل الجديد هو من يحاول تحطيم التقاليد. قد ينجح بدرجات، وقد يخفق.

في قصة تطريز خارج الثوب الضيق، أفرد محمد عطوة مساحة كبيرة جدا، للشخصيات التي تحطم التقاليد، البنت التي احتفلت بعيد ميلادها، “جربت الشيشة لأول مرة في حياتي ” هذه البنت تكسر التقاليد هي وحامد ومنال وفاتن ورضوي، يتحدث عنهم المؤلف علي مدار كل صفحات القصة، الأب هو الحريص علي التقاليد، وهو يمثل الجيل القديم الذي يحافظ علي التقاليد أربع سطور عن الأب فقط، بينما القصة 6 صفحات، الأب يضرب ابنته، علقة ساخنة لتمردها علي التقاليد. حامد يقابل البطلة الجميلة في القطار ويفعل معها ما يفعل في الخفاء، ويخطبها ويذهب لبيتها، أخت البطلة مني تحب حامد، وتحدث علاقة بينهما، ويخون حامد خطيبته مع أخري، رضوي تفشل في زواجها الذي ينتهي بالطلاق. رغم الصدمات العنيفة التي حدثت لرضوي والبطلة ومنال وفاتن، استمرت رضوى والبطلة ومنال وفاتن في رفض التقاليد، هكذا ظلت طريقة حياتهم.

الترتيب ليس شرطا:

من المعتاد أن نقرأ القصة بترتيبها، لكي نفهمها، لكن هناك قصة من يمكن أن نقرأها من البداية للنهاية والعكس من النهاية للبداية، دون حدوث خلل. يتمثل هذا في قصة بعض منها في كييف.

المشهد الأول (ج) لقاء حميمي مع سمراء أمريكية، لا يمتعها كشرقي البطل. المشهد الثاني (ب) قلق رجل مع زجاجة فودكا. جارته سافر زوجها إلي روسيا، وتتغطي بشاب صغير ، نفس الرجل بعد عملية جراحية، صديقته تقول له، في العملية تتحدث العربية بروعة. المشهد الثالث ( أ ) شارع خلف الجامعة. رجل يري فتاة ببنطلون جينز صارخة الجمال، يصدمه جمالها، يسقط علي الأرض تساعده، يلتفت كل منهما للأخر مع ابتسامة.

ممكن أن نقرأ، أ، ثم ب، ثم ج. أي نقرأ القصة من النهاية للبداية ،دون أن نشعر بخلل في فهم القصة.

قصة فك ارتباط :

خلاف بين زوج وزوجة، وأيضا أثناء الخلاف، يلعب الزوج الشطرنج، مع أخر مجهول. في البداية تهاجم الزوجة بقوة، وكذلك لاعب الشطرنج يهاجم الزوج بقوة، ويكاد يهزمه، عندما يتغير الموقف، وينتصر الزوج في خلافه مع زوجته، ينتصر في نفس اللحظة في دور الشطرنج علي خصمه.

وهكذا ظل دور الشطرنج يعبر عن خلاف الزوج والزوجة، خطوة بخطوة فإلي الصراع،

مرحلة تفوق المرأة في الخلاف

“يبدأ هجوما شرسا بالحصان تبعه بفيل وطابية /الزوج ما رأيك لو سافرنا إلي مرسي مطروح أسبوعا تمط شفتيها لا تجيب “

“كش ملك هجوم / تخيرني ما بين الشقة و الخروج من حياتي “

مرحلة هجوم الرجل وتفوقه ونصره

“وزيره مكشوف تماما علي الآن محاصرته / رسالة نصية عبر الهاتف محملة بعجزها عن مواصلة الرحلة معى “

“أحصل علي قلعته بدون مقابل / ترسل رسالة علي الواتس آب أرد ردا مقتضبا”

“أقبل حصاني الذى أبلي بلاء حسنا / استلم أخر رسائلها النصية بفتور “

“لاعب الشطرنج المنافس يفقد أعصابه / ثائرة كثور أسباني لا أهتم لاتهاماتها الملفقة “

“الانتصار بالعساكر علي قطعة الشطرنج نصر كامل /يأتيني صوتها ناعما تجنح للسلم “هكذا نرى التوازي بين الشطرنج و صراع الزوج و الزوجة

الخاتمة :

في هذه المجموعة القصصية، تطريز خارج الثوب الضيق، كانت هموم الشخصيات واضحة وهناك غربة يشعرون بها. غلبت لغة الشاعرة المطرزة بجماليات البلاغة والرمز. تنوعت الفنيات من قصة إلي أخري واختلفت، وهناك حضور لافت للشابة الجميلة عربية، أو مصرية، أو أجنبية، ولها دور مهم في القصة. وجود المرأة وجود واقعي في قصص من الحياة، لكن الحب لم يكتمل أبدا بين رجل وامرأة في كل القصص، رغم وجود الإعجاب بجمال الفتاة الشابة أو السيدة، هناك خلل إنساني أدي إلي عدم اكتمال الحب، وهذا سبب جراحا غائرة، شديدة العمق تحدثها صدمة الفشل في الحب، جعلت الشخصيات تشعر بمرارة الحياة، وفقدان المتعة. هناك أيضا محورا هاما للهموم والقضايا العامة تحدثت عنها المجموعة القصصية. كانت المسافة كبيرة بين القصة المكتوبة والمقصود منها. الحزن موجود والغربة والوجع ، لكن الحياة موجودة بمتعها في توازن موجود عبر قصص المجموعة القصصية تطريز خارج الثوب الضيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: