حياة الفنانين

“محمد الماطري صميدة”وسائل الإعلام الجديدة دمرت التقليدي ،وأؤمن بأن دور الصحافي هو الأهم في خدمة الناس

إعداد حوار حافظ النيفر …إخراج صحفي/ ريمه السعد

الصحفي رئيس التحرير محمد الماطري صميدة :

كتبت أكثر من 30 ألف مقال في جريدتي الشروق والأنوار التونسيتين !

* قضيت في بلاط صاحبة الجلالة 35 سنة بالتمام والكمال…ولم أمل ولم أكل !

*كل الألقاب التي تحصلت عليها في تجربتي هذه أختصرها في كلمة واحدة لا غير :”الجورنالجي” !

*أفضل حواراتي مع العالم التونسي في النازا محمد الأوسط العياري والفنان لطفي بوشناق

*أحلامي بسيطة ليس فيها ماديات بل فيها قيم وجمال وأغنيات !

*بداية نعرف القراء على محمد الماطري صميدة

– كيف أقدم محمد الماطري صميدة ؟أحيانا أطرح هذا السؤال على نفسي وأحتار في الإجابة عنه وذلك مخافة أن أخجل تواضعي بأشياء تحسب على الغرور النفسي وحاشا لله أن أكون مغرورا …ولكن – في ما أعتقد – فإنني عمر من العطاء في بلاط صاحبة الجلالة…فلقد شغلت خطة “صحفي وسكريتير تحرير ورئيس تحرير مساعد ثم رئيس تحرير في جريدة الأنوار التونسية”…وأشغل الآن خطة “رئيس تحرير في جريدة الشروق ومشرف على ملاحق الجريدة”… ولقد قضيت في هذا البلاط 35 سنة بالتمام والكمال.

يوم 7 نوفمبر 1988 انطلقت رحلتي الصحفية الاحترافية في دار الأنوار في جريدة الشروق الغراء ثم في شقيقتها الكبرى والأم الغالية جريدة الأنوار…وما زلت والحمد لله أعشق صاحبة الجلالة الصحافة كهاو لا كمحترف وما زلت -وسوف أظل دائما- أشعر بأن الصحافة هي المهنة الأهم في هذا العصر- وفي حياتي- وهى مهنة البحث عن المتاعب والشقاء…والدفاع عن الفقراء والمساكين…والمظلومين…وهذا هو دورها في ما أعتقد …وهذا ما عملت عليه قدر الجهد وبلا تردد!

وأجدها مناسبة طيبة لأشكر دار الانوار التي احتضنتني شابا يتنسم خطواته الأولى في جريدتي الشروق والأنوار وكهلا يواصل الإبحار في “رحلة القلم” بنفس المحبة والاحترام والحنو…كما أشكر قرائي كل قرائي الذي وثقوا بي فجعلوني موضع أسرارهم…وكنت صوتهم القوي والمسموع… كما أشكر كل زملائي الأعزاء بلا استثناء وهذا قلبي يصافح الجميع قراء وأصدقاء وزملاء أوفياء راجيا وداعيا وشاكرا ومعترفا بالفضل

وإن كل الألقاب التي تحصلت عليها في تجربتي هذه – من طبيب الحب وصديق القراء إلى صحافي الفقراء ودونجوان الصحافة….- أختصرها في كلمة واحدة لا غير :”الجورنالجي” على رأي الأستاذ محمد حسنين هيكل…ومثل هذا اللقب يروي فضولي الشخصي وأجد فيه راحتي فالصحفي هو ضمير المجتمع وصوت الشعب ومرآة الناس…وأرجو أني قد أفدت الناس بعمق وكتبت عن الناس بصدق وخدمت الصحافة بمنتهى الصدق وبمنتهى العمق.

ولقد كتبت أكثر من 30 ألف مقال وتحقيق وحوار في شتى المجالات…كنت أكتب 100 مقال في الشهر …وأجد راحتي في الكتابة الاجتماعية والفنية خاصة وكل ما يخاطب أعماق الإنسان عامة وكنت أول صحافي تونسي يكرم الآباء والأمهات ضمن أركاني “أمي المناضلة وأبي المناضل وبالوالدين إحسانا” على مدى ربع قرن…ولقد بلغ عمر ركني الأشهر والأطول والأصدق والأعمق “من الواقع” 35 عاما إلى حد الآن وهو ركن اجتماعي أحكي فيه بطريقة قصصية عن مشاكل الناس… !

ولقد خرجت هذه المقالات والحوارات والتحقيقات – في جريدة الأنوار في البداية وفي جريدة الشروق الآن – تترى في تجل يسحر الناظر ويسر الخاطر و في تناسق دقيق للحظات الجمال من حيث المبنى والمعنى والشكل والمحتوى والصور والمشاهد والكلمات والعبارات و فن الأسئلة وفن الإجابات… !

ولقد كتبت أيضا المقامة الهزلية…والومضة الصحفية والنقد الفني وقصص العشاق …وكان قلمي هو سلاحي مع ضميري …ولم أكن أملك غيرهما …وسأحملهما معي حتما إلى قبري !

*كيف بدأت رحلتك في الإعلام ؟

-بدأت رحلتي وأنا في السنة السادسة ابتدائي حيث كانت والدتي “زينب الزياتي ” – ربي يفضلها راجيا وداعيا- تشتري لي جريدة “البيان” ب 70 مليما سنة 1977 وتطلب مني أن أطالعها وتتمنى في داخلها أن أصبح صحافيا مثل كل الذين يكتبون فيها وكان يرأس تحرير البيان الأستاذ صلاح الدين العامري الذي عملت إلى جانبه لاحقا في جريدة الأنوار التي أسسها وفي جريدة الشروق التي بعثها…وكان أستاذنا الأبهى وكان عميدنا الأرقى !

ولقد نما في داخلي حبا فياضا للكتابة الصحفية تجسم ذات يوم حين كنت أحضر لامتحانات نهاية السنة الدراسية في كلية الآداب بمنوبة فوجدتني أكتب أول مقال وأنا طالب جامعي تحت عنوان :”يا أساتذة الجامعة كونوا واقعيين” ونشرته في جريدة “البيان التونسية” !

وآثار ذلك المقال من حوله – وحولي- الغبار وإذا بحضرات الأساتذة الأفاضل يردون عليه لمدة 3 أشهر بمقالات شرسة وعنيفة…وفي الحقيقة لم أقلق من ردود الفعل الغاضبة بل لقد كانت متعتي مضاعفة حين وجدت أن كتابتي الأولى تثير الزوابع والرعود !

ومن لحظتها واصلت الكتابة والنشر في كل الجرائد التونسية ووجدت كتاباتي الظلال الوارفة عند عشاقها وقرائها …وتم انتدابي بلا تردد في جريدة “الشروق” رغم عشقي الظاهر ل”جريدة الأنوار”…وامتدت الرحلة الطويلة في “دار الأنوار” العريقة إلى سنوات عمري كله …وأشكر لله -هنا وبلا استثناء- فضل الجميع على الصحبة الجميلة !

*هل وسائل الإعلام تؤدي رسالتك على النحو الذي تريده؟

– بصراحة نعيش الآن فوضى عارمة قضت على كل شيء جميل في بلاط الصحافة المكتوبة…كانت الصحافة المكتوبة قبل عقد من الزمن عنوان التثقيف وصوت المواطن وكان دورها بالفعل كبيرا وخطيرا…ولكن ما نراه الآن هو عبث على جميع الأصعدة باسم الإعلام… !

ولقد أسمع كثيرا بعد “ثورة الفوضى” عبارة “إعلام العار”…الغريب أن من يطلقونها على الصحافيين المساكين الأحرار …هم من يمارسون العار ذاته طبعا باكتساح مجال الإعلام الجميل الذي أسسه الموهبة والدراسة والعلم…بالكذب والنفاق والتزوير والتدجيل !

إن وسائل الإعلام في أغلبها تمارس تنشر كما هائلا من الأوهام ولا تمارس دور الإعلام…إن ما يحدث هو شيء يشبه الإعلام …أو هو شبح للإعلام…طبعا حزينا أقول هذا ولا أقول غيره ولا أقول أقل منه !

*كيف ترى وضع الإعلام في تونس في الوقت الحالي؟

– بالـتأكيد تعرض الإعلام إلى هزة نفسية عنيفة عقبها زلزال كبير في زمن “الفايسبوك والتيك توك”…وأصيب الإعلام بسكتة دماغية من هول الصدمة النفسية …وأدخل إلى غرفة الإنعاش للعلاج … ولكن يبدو أن التفاهة المستشرية ستقضي على روح الإعلام رغم محاولات الإنعاش… لقد قضت كورونا الرداءة والتفاهة والسخافة على مناعة الإعلام …والأمر يحتاج إلى تلقيح حقيقي وفاعل للقضاء على كورونا الابتذال !

*ما أهمية ما تقدمه إعلاميا ؟

– أنا أحسن الإصغاء للناس ولمشاكل الناس …وأحاول من جهتي ومن موقعي أن أفيد المجتمع وأستفيد …فإن أصبت فبفضل الله وإن فشلت فمن نفسي…طبعا كل عمل جاد وفيه فائدة هو عمل مثمر ولو بعد حين…وهنا تكمن أهميته… !وعلى كل صحافي وطني أن يعمل بطريقة جادة شعارها “الإفادة و الاستفادة”…نحن نحتاج إلى هذا العمل الجاد قبل أن يهز الطوفان هذه البلاد !والإعلام الجاد يسمو بالشعب وبالبلاد…وهذا ما أعمل عليه منذ عقود ولم أكل ولم أمل !

*لو أقول لك “أم كلثوم” ماذا تقول عن هذا الحب لكوكب الشرق ؟

– أم كلثوم هي فنانتي الأولى والأخيرة …وهي عشقي الفني الأول والأخير مع محمد عبد الوهاب طبعا…. ومع أغاني أم كلثوم أجد نفسي وتتوازن مشاعري ويخفق قلبي برقة عجيبة… لقد عشقت أم كلثوم صغيرا ولا أدري لماذا كان هذا العشق؟ …فربما أحببت باكرا وأنا طفل غرير…ومن يدري ؟ ولكن ما أدريه أنني سمعت أول أغنية لأم كلثوم تقول كلماتها “عودت عيني على رؤياك” وعمري 13 سنة…ولقد أعجبتني الأغنية من أول نظرة ومن أول مرة !ومن يومها عشقت “ثومة” وكتبت عنها كثيرا بعد ذلك وأحفظ أغلب أغانيها وأستمع إليها كل ليلة تحت عنوان “رشفات أم كلثوم”…ومن لا يستمع إلى أم كلثوم تعلو سماءه السحب والغيوم…وأسأل مجرب…. !

*انت واحد من أهم الصحافيين في الصحافة المكتوبة هل انتهت الصحافة المكتوبة ؟

– لا لم تنته الصحافة المكتوبة …ولكنها تعيش حالة مخاض جديدة بفعل تكنولوجيا العصر …إنها تحاول أن تتواءم مع وسائل التواصل الجديدة…ويبدو أن العملية فاشلة من ظاهرها…فالمكتوب حجر صلب…والصورة التلفزية فوارة والكلمة المسموعة متلاشية !

ولن يبقى في النهاية إلا المكتوب…المكتوب هو الذي أرخ للبشرية وللحضارات…وللقامات والزعامات؟…فهل ينتهي كل هذا بطريقة تراجيدية ؟ قطعا لا … ولا أتمنى ولا أنتظر …أقول هذا بمنتهى الحب…فالمكتوب عندي حجر صلب !

*وسائل الإعلام الجديدة هل تراها إضافة للإعلام التقليدي أم تفوقت عليه؟

– وسائل الإعلام الجديدة دمرت التقليدي وقضت على مقوماته وتفوقت عليه …لكنها كانت وسائل بلا روح ولا طعم ولا رائحة رغم جودتها التكنولوجية … !

*الارتجال في البرامج المباشرة هل هو مهارة مكتسبة من التدريب أم موهبة ؟

– هو موهبة طبعا تعمقها الدراسة والثقافة وحسن الإصغاء والتدريب…الارتجال وليد مخزون ثقافي ولغوي كبير…ومن له هذا التدفق اللغوي والثقافي يمكنه أن يرتجل ويتحدث كيفما يشاء !

*شاهدك الجمهور التونسي في الفترة الاخيرة في برنامج تلفزيوني “لاباس” مع الاعلامي نوفل الورتاني حدثنا اكثر عن هذي التجربة ؟

– أشكر لنوفل الورتاني رحابة صدره ورغبته الملحة في إظهاري تلفزيا رغم أني رفضت العملية برمتها في البداية وكانت رغبتي كبيرة في الاكتفاء بما قدمت في الصحافة المكتوبة …لكنه أصر وقبلت… ولقد كنت قد نقدت كثيرا نوفل الورتاني في برامجه الترفيهية السابقة …ولكنه لم يغضب لنقدي وصرح بجرأة نادرة بأن ما كتبت عنه هو عين الصواب…وهو ما عمق احترامي له بعدما وجدت فيه قيما نبيلة قربت المسافات بيننا بسرعة …علما وان نوفل الورتاني هو من أبناء الصحافة المكتوبة…ولكن للتلفزة بريقها وشعاعها… وبهرجها وشهرتها !

ولقد قبلت العمل معه من باب الوفاء لوفائه لجريدة الأنوار التي احتجبت عن الصدور وكان أول منشط يحاورني ويتعاطف معي ومع الصحافة المكتوبة…والتجربة إلى حد الآن جيدة رغم الإرهاق الذي ينتابني مع نهاية كل حصة…والحمد لله كثيرا على محبة الناس !

اقرأ أيضا “عزة الشرع خلال مسيرتي الإعلامية الطويلة حافظت على موقعي كمذيعة كي استحق أن يطلق علي الإعلامية عزة

*من واقع تجربتك ما هي أبرز مقاومات الاعلامي الناجح ؟

– من مقومات الصحافي الناجح الموهبة والدراسة والصدق والخبرة والكفاءة وحب العمل وجودته وتجويده …واحترام قرائه…فهم في البداية والنهاية رأس ماله الذي لا ينضب !

ومع كل هذا لا بد من مطالعة الكتب…إن الكتب تحسن اللغة وتعلمك حسن الإصغاء للناس والأدب وحسن التعامل مع عملك الصحفي…وكن وطنيا وستنجح !

*ماذا غير الإعلام والصحافة في مطران وما الأشياء التي أضافاها له في حياته سواء العملية والتعليمية؟

-لم يغيرا في أي شيء…بل عمقا حبي للتواضع وللناس …وجعلاني أكثر احترام لكل من يقصدني…فأنا صحافي أؤمن بأن دور الصحافي الأهم هو في خدمة الناس لا أكثر ولا أقل !

*محمد الماطري صميدة إلي أين يتجه؟

– يتجه إلى كتابة مذكراته…ففيها ما يستحق القراءة عن سنوات لا تنسى وأشخاص مروا في بلاط صاحبة الجلالة وبقوا في الذاكرة…ومواقف ومشاهد وأحداث وتواريخ وصور …انطبعت في البال والوجدان وتتزاحم لتخرج … لصياغتها على الورق الأبيض !

أيضا أتمنى أن أنجز برنامجي الإذاعي أو التلفزي تحت عنوان “رشفات فنية” …فالفن وحده مع الكتابة يجعلانني في حالة توازن دائمة… !

إن أحلامي بسيطة ليس فيها ماديات بل فيها قيم وجمال وأغنيات !

*ماهي أكثر الحوارات الصحفية التي تعتز بها؟

أعتز بحوارات كثيرة وبمقالات عديدة …ويبقى على رأسها حواراتي مع العالم التونسي الكبير في النازا محمد الأوسط العياري الذي حاورته أكثر من 20 مرة في مواضيع علمية مختلفة و مع الفنان لطفي بوشناق وحوارات أخرى مع سياسيين ورياضيين ومواطنين عاديين وكلها حوارات محترمة …فحواراتي مع الجميع أساسها المحبة والاحترام .

*ما رأيك في غزو الممثلين لميدان التنشيط التلفزيوني و الاذاعي؟

– أنا أؤمن بالاختصاص وبالموهبة أيضا…ويحدث أن ينجح ممثل في غير اختصاصه…ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح… !وحديثنا قياس !

*نصيحة الى الشباب الذي يقرأ و يتابع محمد الماطري صميدة ؟

– نصيحة واحدة لا غير :كن أنت …متدفقا ومثقفا وصادقا ووطنيا ومحبا لما تعمل و صبورا وجادا ….وستنجح قطعا !

*كلمة أخيرة؟

شكرا لك صديقي الغالي …فلقد نشطت ذاكرتي …ومعنى هذا أن أسئلتك كانت رائعة …وأسعدتني…وأتمنى لك النجاح راجيا وداعيا وشاكرا …وهذا قلبي يصافح قلب كل صحافي شاب مثلك سعيدا بك ومعترفا بالفضل.

اقرأ المزيد “طارق الشناوي “مبارك اهتماماته الفنية ضئيلة لكنه ليس معادياً للفن .والسينما طول عمرها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: