عاممقالات

خواطر راحلة


بقلم: نورهان رستم

تخيل انك قد حبست في غرفة ،و وضعت على عينيك عصابة فلا ترى ما حولك ،و لكنك تمتلك مفتاح تلك الغرفة . ماذا تفعل ؟
بالطبع سوف تتجول في ارجاء تلك الغرفة باحثا عن المخرج ،حيث انك اذا صادفته او عثرت عليه سوف تمسك بالمفتاح و تحاول جاهدا ان تفتحه وستفتحه بالفعل رغم عدم رؤيتك ، بالضبط تلك هي الحياة ، نمضي فيها بدون ان نعرف ماذا ينتظرنا او ماذا تخفي لنا في الايام القادمة ، نسير في طريقنا باحثين عن اهدافنا ، منا من يصل اليها و منا من يحاول ،و ايضا هناك من يتعثر ،و لكن بينما نحن ماضين في طريقنا باحثين عن المخرج هناك من ينتظر اللحظة الحاسمة للقبض علينا و الامساك بنا و لا نراه بفعل تلك العصابة التي اصبحت تخفي كل ما هو محيط بنا .
انه شخص مجهول يود ان يلتقي بنا و هو كالظل ملازم لنا و لكننا لا نراه ، هناك وقت محدد بدقة للامساك بنا و هو ينتظره فلا يتأخر عن موعده و لا يتقدم ، يستطيع ان يمسك بنا بينما نحن هائمون في انحاء الغرفة قبل العثور على الباب ، او ينتظر حتى نعثر على الباب ثم يأتي الموعد ، او حتى يصبر كي نستطيع فتح الباب و الوصول الى وجهتنا و ما نرجوه ثم يمسك بنا ، هو في النهاية سوف يؤدي مهمته على اكمل وجه و يمسك بنا على أي حال فلن نستطيع الهروب منه ابدا ، بالطبع بات الامر واضحا الان ..انه الأجل .
اجل..هو يلازمنا في كل مكان ، يعيش معنا و لا نراه ،ينتظر الامر ليفعل و نحن لا نشعر ،قد نكون وقتها غارقين في ملذات الحياه كمن تاه في الغرفة و لم يعثر على الباب ، و قد نكون ماضين في الطريق لتحقيق هدفنا فيأتي الاجل و يحول دون ذلك ،و قد نكون قد حققنا اهدافنا بالفعل و تم الانتهاء من اداء رسالتنا بالحياة على الوجه الامثل فلم يعد هنالك حاجة لأن نستمر ، مهما اختلفت الروايات فسوف تكون هناك نهاية ، و هي نهاية واحدة سوف يصل الجميع اليها مهما اختلفت الطرق و الاسباب ،و لكن وحده الله يعلم متى تكون تلك النهاية ،قد تكون قريبة و نحن لا نشعر .
تلك النظرة التشاؤمية لن تأتيك ابدا الا بعد فقدان شخص كان قريب اليك ، كنت تراه يأكل معك و يضحك معك و يخطط معك للمستقبل ،و قد غيبه الموت فجأة و بدون سابق انذار ،فلا تقيم بعدها للحياة وزنا و تشعر انها لم تعد تساوي شيئا و كأننا نعيش فقط لكي نموت في النهاية و كأننا قد وجدنا في هذه الحياة لنكون في النهاية لا شيء ، بالفعل نحن لا شيء ..فقط مجموعة من الذنوب تسير على الارض و الموت قاب قوسين او ادنى منها و تلك حقيقة و امر محتوم لابد لنا من مواجهتها في يوم من الايام .
مفهوم الموت بين الصغر و النضج :-
في صغري و حتى وقت قريب كنت اذا سمعت بوفاة شخص قريب حزنت حزنا عميقا ،و تأثرت لوفاته بشده و لكن جل ما كنت افكر فيه بشأن الموت هو الفراق ،فكان كل ما يحزنني هو انني لن ارى ذلك الشخص مرة اخرى و ان حياتي لن تكون مكتمله بدونه ،و لكن ماذا عن الشخص نفسه ،اين هو الان ..بماذا يشعر ..كيف كان حاله عند الموت ..و ما حاله الان بعد الموت ،كل تلك التساؤلات لم اكن لأفهمها في ذلك الوقت .
اما الان و قد اقترب عمري من الثلاثين و بعد ان بدأت في ان اكون اكثر نضجا من ذي قبل و فقدت عددا ليس بالقليل من احبائي رحمهم الله ،اصبحت افكر في اشياء اخرى تخص الموت ،ماهية الموت نفسه كيف ياتينا و كيف تترك الروح الجسد الذي اعتادت ان تسكن بداخله، و اين يذهبون بها ثم كيف تحاسب النفس و ما هي حجم الاهوال التي يراها الانسان ، و كيف حال احبائي الراقدون تحت الثرى .
كيف كان حالهم اثناء السكرات ..هل كانت صعبة ..اتمنى الا يكونوا قد تألموا كثيرا اثناء الاحتضار ،ثم اتمنى انهم كانوا قد استعدوا جيدا للقاء الرحمن الرحيم ، و من ناحية اخرى افكر و اتساءل من سيكون التالي هل انا ،هل احد احبائي الذين ما زالوا على قيد الحياة ثم اسأل الله الا يريني فيهم مكروها فقد بدأت اشعر بالخوف عليهم و على نفسي فأتمنى ان يقبضني الله على خير الاعمال و ان يخفف عني و عن احبائي سكرات الموت و لا يرينا اهوالا فنحن نحبه و لكننا بشر نحطيء و نصيب ، اتمنى ان تكون النهاية على صواب و ليس العكس .
ان الموت هو مرحلة محتومة لا بد لنا جميعا من المرور بها ، و هو يستحق بالفعل ان يستحوذ على جزء كبير من تفكيرنا ،و لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في ان يعيش الانسان حياته متوقعا ان يأتيه الموت في اي لحظه فبهذه الطريقة يكون الانسان قد اصدر على نفسه حكما بالاعدام و هو ما زال على قيد الحياة ،ثم لا اعتقد ان الله سبحانه و تعالى لم يكن ليخيفنا و الا لماذا خلق لنا تلك الحياة بكل ما فيها من جمال ، فالتفكير المستمر في الموت قد يؤدي بنا الى الجنون فالقدير بالتأكيد خلقنا على تلك الارض لنؤدي مهام و وظائف اخرى غير التفكير في الموت و الذي لن يجدي نفعا ،فلندع الموت يأتي وقتما شاء و لنثق برحمته طالما نحن غير مقصرين ،و لنعش تلك الحياة القصيرة و التي اذا ذهبت لن تتاح لنا الفرصة لاعادتها ، و لنستمتع بأحبابنا و نخبرهم بحبنا لهم فربما النهاية قد اقتربت .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: