مقالات

يوميات مهاجر في بلاد الجن والملائكة الحلقة التاسعة

الحقيبتان

 

الدكتور محمد حسن كامل

خرج صاحبنا من القنصلية الفرنسية بالإسكندرية وهو يحمل جواز سفره ممهوراً بتأشيرة لدخول فرنسا , تلك التأشيرة كانت خاتم بحبر أسود وعليه طوابع قيمة الستة جنيهات وتوقيع القنصل العام , كان ذلك في مطلع صيف 1981 , وعلى الفور اتجه إلى شركة الخطوط الفرنسية (( أير فرانس )) ليسأل عن ثمن تذكرة ذهاب وإياب من القاهرة إلى باريس صالحة لمدة عام , كان ثمن التذكرة في هذا الوقت بمبلغ 257 جنيه …..تذكرة ذهاب وإياب صالحة لمدة سنة ويمكن تحديد تاريخ العودة مجانا ….يابلاش …رحم الله الزمن الجميل ….كانت التذكرة تحتوي على أربع كوبونات مكتوبة بخط اليد وختم الشركة , بعد حجز الطائرة شعر صاحبنا أنه أصبح بالفعل في باريس ….كان يحلم أن تكون أولى رسالته لأسرته من فوق قمة برج إيفل رمز باريس العريق , وبالفعل حقق تلك الأمنية في اليوم الثاني من وصوله لعاصمة النور , اتجه إلى برج ايفل ليسطر أولى رسالته لأسرته , ولأخيه الذي سبقه إلى جلاسجو في بلاد الإنجليز ليحضر أطروحة الدكتوراه في هندسة العمارة بعد فوزه ببعثة دراسية هناك .
هكذا بدأت صورة الحلم الظهور في كف الحقيقة , كان عليه أن يشتري شنطة سفر , كانت أول حقيبة سفر يشتريها في حياته , لم يدر انه في يومٍ ما سوف يخوض تجربة السفر خارج البلاد وإلى بلاد الفرنجة ….كان يقول في نفسه لو سافر أبو الهول من مصر …هو أبداً…وفي تلك المرة خالف نفسه .
اتجه إلى سوق المنشية في الإسكندرية , ومن هناك اشترى شنطة سفر كبيرة طولها حوالي متر …ربما يجمع فيها حاجاته ومستلزماته …دفع في تلك الشنطة 12 جنيه .
كان عليه أن يستبدل الجنيهات المصرية بفرنكات فرنسية , ببساطة إستبدل عن طريق البنك الأهلي المصري , كان الفرنك في وقتها يساوي 8 قروش , عمار يامصر وكانت العملات متوفرة في البنوك المصرية ولكن بحد أقصى 200 جنيه , الباقي من السوق السوداء .
بحسبة بسيطة إذا حسبنا اليورو الذي هو 6.55957 فرنك فرنسي أيام زمان كان يساوي 52.47656 قرشاً
الآن لك أن تسأل عن سعر اليورو الذي تجاوز العشرة جنيهات بعد أن كان بحوالي نصف جنيه …..!!
أعتكف الشاب بالإطلاع على نمط الحياة الفرنسية من خلال الكتب والمجلات التي استعان بها من مكتبة المركز الثقافي الفرنسي بالإسكندرية , وبدأ يبحث عن التفاصيل الدقيقة من حيث خريطة المواصلات , السكن , والأطعمة وشبكة مترو باريس , العادات والتقاليد, جمل الترحيب , الإبتسامة , بل كان يجري تدريباً أمام المرآة وهو يردد تلك العبارات بالفرنسية .
بينما كان صاحبنا يعد حقيبة سفره , كانت هناك حقيبة أخرى تُعد لمصر في الخفاء , شهدت مصر في تلك الحقبة نشاط مكثف من جماعة التكفير والهجرة , حقيبة سوداء تحتوي على الغل والحقد وسفك الدماء والجهل وسوء النوايا
حقيبة التكفير والهجرة أو خوارج العصر
جماعة الدعوة والهجرة أو التكفير والهجرة ….فكر متطرف من أفراد أعطوا لأنفسهم الحق في تكفير المجتمع والناس والحكام زعما أن الحكام لايحكمون بما أنزل الله
جماعة التكفير والهجرة جماعة ظهرت في مصر عام 1971م وأطلقت على نفسها اسم جماعة المسلمين، وتولى قيادتها وصياغة أفكارها ومبادئها شكري مصطفى، كان طالبًا في كلية الزراعة، وأُعتقل في عام 1965م. وأُدخل السجن بتهمة إنتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية , وفي السجن تولدت أفكاره ونمت، واعتبر نفسه مصلحًا عظيماً والمهدي المنتظر، وبايعه أتباعه أميراً للمؤمنين وقائداً لجماعة المسلمين، وانتهى الأمر به إلى الإعدام هو وزملاؤه من قادة الجماعة في عام 1978م بتهمة اختطافهم واغتيالهم للدكتور محمد حسين الذهبي، الذي كان وزيرًا للأوقاف آنذاك

وأهم أصول فكر الجماعة ما يلي :

1 )) تكفير مرتكب الكبيرة، كما هو مذهب الخوارج قديماً .
2 )) طعنهم في الصحابة وردهم لأقوالهم
3 )) تطبيق الحد الأدنى من الإسلام
ويريدون بذلك أن الإسلام يتمثل في جملة من الفرائض التي يجب أداؤها، فمن لم يؤدها أو قصَّر فيها أو ترك بعضاً منها فلا يعتبر مسلمًا، ولا شك أن هذا الفهم للإسلام فهم غريب شاذ لا أساس له ولا سند، فالأمور كلها كما يقول أبو عبيد: يستحق الناس بها أسماءها على ابتدائها والدخول فيها، ثم يفضل بعضهم بعضًا، وقد شملهم فيها اسم واحد، وكذلك الإيمان، صحيح أن الإسلام يتمثل في جملة من الفرائض التي يلزم أداؤها، ولكن هذا لا يعني أنه لا يطلق اسم الإسلام إلا على من قام بها جميعًا، كما أن من قصّر في أداء بعضٍ منها لا يسلبه هذا اسم الإسلام ولا يخرجه منه.
4 )) ومن أصولهم قاعدة التبين:

ومعناها التوقف عن الحكم على من هو خارج جماعتهم حتى يتبين حالهم والبينة هي لزوم جماعتهم ومبايعة إمامهم، أو من ينوب عنه، فمن أجاب إليها كان مسلمًا ومن رفضها كان كافراً . وقاعدة التبين هذه شبيهة بمبدأ الإستعراض الذي قال به وطبقه الأزارقة من الخوارج
5 )) قاعدة تعارض الفرائض:
وخاضوا في ذلك خوضاً عظيمًا حتى قالوا بترك الجمعة لأنهم في مرحلة استضعاف وأن من شروط الجمعة التمكين، وأباحوا لأنفسهم أعمالاً وممارسات لا سند لها من دين أو شرع تحت دعوى تعارض الفرائض وتقديم الهدف الأكبر إقامة الخلافة، على غيره من الأهداف
6 )) مفاصله المجتمع وهجرته:
فأعلنوا المفاصلة التامة بينهم وبين مجتمع المسلمين الذي وصفوه بالجاهلية والكفر، وامتنعوا من الزواج من أفراد هذا المجتمع ، وقالوا: إن الله حرّم نكاح المشركات
هذه بعض أصول جماعة التكفير والهجرة، إضافة إلى أخطائهم الكبيرة في المنهج كردهم الإجماع، ومنعهم للتقليد، وتكفيرهم للمقلد، ونبذهم لآراء الصحابة وأقوالهم
تلك الحقيبة السوداء التي بدأت في نشر سمومها بين الشباب في تلك الحقبة والتي كانت تنادي بالعنف ضد المجتمع والدولة , حقيبة الكراهية التي كانت سبباً في إغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات , وكانت سبباً في فكر تنظيم القاعدة وظهور داعش حديثاً .
كان صاحبنا يندد بهذا الفكر الأسود , وكان يدعو لقيم الحب والسلام والإخاء والتعاون والدعوة لبناء وطن بكل هذه القيم , كان بعيداً عن هذا التيار المتخلف الذي يهدم ويقتل ويحرق بأسم الدين , كانت دراسته للفرنسية والأدب الفرنسي تثير سخرية بعض شباب تلك الجماعة الذين كانوا يصفونه بالـ متفرنج ولكن
رحلته إلى باريس في هذا التوقيت حفظته من مساوئ هذا التيار .
كانت عجلات السيارة تنهب طريق مصر إسكندرية , مسرعة نحو مطار القاهرة الدولي , دخل المطار لأول مرة في عمره , واتجه لوزن حقيبته , وختم جوازه بالمغادرة , وصعد سلم طائرة أير فرانس التي شمّ فيها أطيب العطور الفرنسية بعد أن كانت أنفه لا تعرف إلا عطور الشبراويشي أو الخمس خمسات …..ربط صاحبنا حزام المقعد وأصغى إلى تعليمات الأمان من المضيفة الفرنسية , وتحركت الطائرة من مطار القاهرة الدولي إلى مطار شارل ديجول بباريس
ماذا حدث له في مطار شارل ديجول ….؟
هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة
انتظرونا

الحلقات السابقة  يوميات مهاجر في بلاد الجن والملائكة الحلقة ٧

يوميات مهاجر في بلاد الجن والملائكة الحلقة الثامنة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: