شعر وحكايات

أنا ونفسِي” قصةقصيرة”

 بقلم سيد السواح

استفاق من غفوته في غرفة مكتبه، رفع رأسه عن الطاولة، وجال بناظريه في جو يسوده الهدوء، تحرك نحو النافذة؛ لينظر إلى الخارج هامسًا أين العمال؟!، أين زملائي ؟!، هل استغرقت كل هذا الوقت في غفوتى حتى استفيق لا أجد أحدًا في موقع العمل غيري ؟!!..

قرر الخروج من الغرفة، ليجد الطقس بالخارج كما هو بالداخل؛ فالهدوء يسود المكان لا يوجد بهذا الموقع الخالي غيره، الشمس قاربت على المغيب، ماذا يفعل وحيدا في هذه الصحراء الخاوية إلا من بعض المباني القليلة والمتناثرة في موقع العمل؟!، كيف يخرج من هنا، ويعود إلى منزله، قرر السير تجاه العمران لعله يجد مَنْ يقله إلى منزله …
ثلاث ساعات من السير علي اقدامه التي لم تعد تقوى على حمله، أسدل الليل ستائره، خيم الهدوء أكثر علي الصحراء الخالية، سماء صافية، وليلة قمرية هدءا قليلا مِنْ روعه، تمدد على الأرض وبدأ يجول بعينيه في الصحراء المظلمة لعله يجد ما يرشده إلى الطريق الصحيح، توقف فجأة عن البحث ليجد ضوءً منبعثًا من بعيد، كأنه منزل لاحد الأثرياء الذين قرروا اعتزال البشر والعيش وحيدًا …
نهض من جلسته، وركض مسرعا باتجاه الضوء، البيت مليء بالضوضاء، هناك إحتفال، أصوات الموسيقى تعلو كلما اقترب، أخيرًا، وضع يده على مقبض الباب .
دخل إلى بهو المنزل الكبير، احتفال صاخب والحضور كثيرون، تجول داخل البهو لكنه لم يجد من يهتم لأمره أو حتى يبادله السلام، الجميع مشغولون ما بين طعام، وثرثرة، ورقص …
اعتلى سلم البهو، وقف يطالع الحضور مِنْ أعلى:
” أين انا ،ومَنْ هؤلاء ؟! “.
يتابع الحفل بعيون مُتعبة، ونظر أرهقته شاشات الحاسوب، راح في شرود مريب: ” كيف لي أن أعاود الشرود، كيف تزورني أحلام اليقظة وسط هذا الصخب ؟!”
انتبه أخيرًا إلى ذلك الشاب الذي يتراقص ببراعة على أنغام الموسيقي السريعة..
“هل تحول الحلم إلى واقع، الشاب الذي يرقص هناك هو( أنا )”.
لطم خده عله يستفيق من حلمه الذي تجسد لحقيقه، يفرك عيناه بقوة، لكن لا فائدة “أنا يقظ، أنا لستُ نائمًا، إنه أنا “..
يتحسس جسده، “لم تروق لي تلك الموسيقي من قبل، هل هو شبحي، هل خرجت روحي من جسدي، أم أنَّ جسدي أصبح يحيا بروح أخرى، وأنا هنا روح بجسد آخر ؟؟!!”.
نزل الدرك مسرعا نحو ذلك الفتى الراقص، دقق النظر به:
” إنه أنا ” …
لماذا لا يعيرني اهتماما؟!، لماذا يتابعني باستغراب؟!، ما هذه الملابس الكلاسيكية التي يرتديها ؟!، لم تروقني يوما ملابس رعاة البقر هذه، ما هذه الساعة الثمينة التي تزين معصمه، لا ينقصه سوى القبعة ؟!.
توقف الراقص أخيرًا، وهو يتابعه باهتمام، لم يمنحه الفرصة وبادره بالسؤال:
” أَنْتَ أَنَا ؟!!” .
أومأ الراقص برأسه:
” نعم أَنَا هُوَ أنت ” قالها ثم استدار .
التفت حوله، لكنه لم يعره اي اهتمام ..
ابتعد قليلًا؛ ليراقب ما سيحدث .
هناك شخص يقترب منه ..القادم نحو الراقص هو صديقه سمير …
” سمير، هل مازلتَ حيًا ؟!، اعذرني يا صديقي لم يمهلوني فرصة للدفاع عنك، قتلكَ الأوغاد ولاذوا بالفرار ، لابد أنَّكَ ستعاتبني على عدم الدفاع عنك”.
اقترب سمير ليحضن الراقص بحميمية، حاول الاقتراب منهما عله يستمع إلى ما يقولون، لكن “سمير” أيضًا لم يعره اهتمام، واستمرا في الحديث، لكنه لا يستطع فهم ما يدور بينهم .
“ما هذا الهراء ؟!، ماذا يحدث لي ؟!”
قطع حديثه مع نفسه صراع أمعائه الخاوية، ابتعد عن نفسه، وصديقه وراح يبحث عن شيء يخرس به ثورة تلك الأمعاء الخالية .
اتجه نحو تلك المائدة المفتوحة، يأكل بشراهة لا يشعر للطعام بطعم، لكن لا يهم الطعم، المهم أن تمتلئ تلك المعدة بالطعام حتى تخرس ..
غادر المائدة، وعاد إلى الحفل الصاخب، الراقص جلس أخيرًا، لكنه جلس وحيدًا، صامتًا شاردًا، لا يهتم بأحد، ولا يهتم به أحد ، وسمير غادر الحفل .
ذهب ليجلس بجوار نفسه، لكن الراقص يبدو أنه هائم في عالم آخر، يركز ناظريه في اتجاه آخر، في حين وضع ساقًا فوق ساقٍ، وأسند ذقنه بيده..
وقف أمامه يتابعه عن كثب”هي نفس جلستي المفضلة، هي عيوني الشاردة الحزينة، أنا هو ذلك الكئيب، ولم أكن يومًا مِنْ هواة المرح والرقص” .
مازال يتابعه لكنه لم ينتبه بعد، انتفض الراقص من مكانه، فجأة انطلق مسرعًا نحو باب المنزل، خرج من الباب منطلقًا في الصحراء، تابعه على الفور ، إنه يعدو بسرعة مريبة:
-” إلي أين أَنْتَ ذاهب، انتظر أَنْتَ هو أنا، لم أركض يومًا دون هدف ؟!”
وقف الراقص، والتفت خلفه ثم تقدم نحوه صارخًا :
-“لم تركض يومًا نحو هدف “
-“إلى أين أَنْتَ ذاهب في هذا الظلام ؟!!”
-“لم يخفك الظلام يومًا، لماذا تخشي الظلام الآن ؟!!”
-“كلا، فأنا لم يروقني الظلام يومًا ؟!!”
-“أمَّا أنا فقد قررت العيش في الظلام ، قررت ألا أكونُ أَنْتَ”.
تابع الراقص الركض، وهو يركض خلفه في ظلام دامس، توقف الراقص فجأة أمام مباني منخفضة الارتفاع، ثم حدثه “هنا يرقد سمير”
وقف بجوار الراقص، يلهث محاولًا التقاط أنفاسه
-” صدقتَ يا( أنا )، تذكرت جيدًا أين كنتُ قبل أن أراكَ، أنا حقًا أمكثُ هنا” .
تقدم من باب المقبرة، دفع الباب الطيني الهش ليسقطه، انحنى ودخل إلى داخل المقبرة الضيقة، هنا الظلام الأبدي، والحياة الحقيقية، لم أؤمنً يومًا بأنَّ حياتي ستكون ظلام إلى ما لا نهاية، تمدد بجوار رفيق رحلته الدنياوية القاسية، ضَمَّ ساقيه، أطاح برأسه للأرض، وأغمض عينيه؛ ليخوض تجربة الحياة في الظلام إلى الأبد ..

تمت
سيد السواح

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: