شعر وحكايات

“الحصالة “بقلم سميع الخطيب

وُلِدِ صباحاً, وفي نفسه طاقة مذهلة من الحيوية والحماس, جرّاء الأبخرة المتصاعدة, من تخمر ونضوج أحلام الأمس وأمانيه.

فهبّ متقداً بهمة من سيخترق الأرض, ويبلغ الجبال طولاً. ولابد للرحلة من زاد, و للزاد من جعبة.

قرر في نفسه, أن البداية ستكون في صناعة صندوق, يبتلع حصاد سنينه المديدة, وإنجازاته الشاسعة..

دارت رحى الزمن تطحن دقائق السنين, مخرجة تبراً من الثواني, والظل يدور حول نفسه ، قصيراً بدينا تارة, وطويلاً نحيلاً طوراً. مشيراً في كل حالة, إلى إحدى مسميات الاثني عشر.

وطفلاه يلهوان في باحة الوجود, بلعبة القفز المتقدم المتعاقب, فمرّة ينحني الأبيض, ليقفز الأسود من فوقه, وأخرى ينحني الأسود ليقفز هو بدوره, وهكذا بالتناوب, وأربعة من الأجلاء يتسلّون بتأمل المشهد.

مع كل دفة حكاية, وفي كل لوح خشب تاريخ, وتحت كل مسمار حدث, فكانت الظهيرة وأوشك الصندوق أن يكتمل. خشبة من هنا وأخرى من هناك, قمامة.. نفايات.. وشيء من السطو.. واللصوصية ولا بأس ببعض التسول..

عصيٌّ تكسرت عليه.. قليلٌ من الإرث .. ويسير من الجهد والسعي, مسامير صدئة وحفنة مفضضة, والصندوق في نهم, فالمقاييس مستعارة من سجل الخلود.. الطول أمل .. والسعة طمع… والعمق طموح… والعقرب الأعمى يسمم بدبيب الأشياء إليه, كل بصير.

العقرب يحرك بثباته ميناء الزمن, قاذفاً بلدغته إلى الشاطئ كل السفن. فالبحر للنينان واليابسة رحم الطين.

كل ذي بداية يسعى بسعيه إلى النهاية.

كلف الصندوق كثيرا, وها هي الشمس تومض منذرة بقرب نفاذ وقودها..

بعثر اليوم ما بين فسق وفجور.. قسوة وظلم.. ذل ودناءة.

لم يتبق إلا الغطاء, وغابت شمس ذاك الدهر…ومن يدري؟

أنّت وسادة من حمل رأس ثقيل, كثير الالتفات والتلفت منشغلاً بأزمة التفكير, بتأمين الغطاء, وبالأخص ذاك الذي يقلق مضجعه, حريري مخملي مقصّب.

غطّ الليل في نومه, بعد عناء ومشقة مكفناً الأمم بعباءته. وفي الحلم جاءه أن أربعة من الأعيان, يحملون له الغطاء هدية, وكم كان مذهلاً.. وكم بلغت دهشته:

ماسي ،ذهبي ،مرصع؛ فَبهت الذي فرح.

انفرد الحاجبان المعقودان, وتراخت عضلات الوجه المقطب, وتحرر من القنوط والتشنج فبدا باسماً بارداً طلق المحيّا …

رنّ المنبه في السابعة.. قرع الباب في التاسعة… لم يجب على أيّ منها…. وفي العاشرة دق الأهل ناقوس الخطر… في العاشرة.. وفي ذات الصندوق وضعوه…. تحمله سبعة من الأكف, لرجال ثمانية… لم يكن للغطاء رقم سري ولا درباس… بل كان غطاء سرير أبيض, تهزه النسائم, مع كل تكبيرة وتهليله:

(آية ملكه أن يأتيكم التابوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: