شعر وحكايات

د.جوني منصور : إذا فقدنا المؤرخين فإننا حتما نفقد جزءا من حياتنا وعلاقتنا بالماضي المعزز لوجودنا في الحاضر

أجرت الحوار / د.لطيفة القاضي
إخراج صحفي/ريمه لسعد
تدقيق لغوي/ ميرفت مهران

*نحن بحاجة إلى مؤرخين

*لا يوجد تاريخ موضوعي في نصه

*البحث الميداني ليس مسألة سهله

*من واجبي أن أعمل على تثبيت تاريخنا

*أننا نشهد تراجعا في إعداد المؤرخين

كتابة التاريخ في العالم العربي من منظور الناس العاديين شيء صعب جدا حيث أننا نرحب بضيفنا اليوم الدكتور جوني منصور ليتحدث لنا المؤرخ الفلسطيني المعروف في هذا الحوار عن التاريخ و التأريخ

-من هو جوني منصور؟

مؤرخ و محاضر فلسطيني من مدينة حيفا، ومقيم فيها مع عائلته.

متخصص بتاريخ الشرق الأوسط الحديث، ولي اهتمام بتاريخ فلسطين الحديث والمعاصر، والصراع الاسرائيلي العربي، والمشهد السياسي العام في اسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط، وتاريخ المدن الفلسطينية، وخصوصًا حيفا.

ولدت في مدينة حيفا في 25 كانون أول – ديسمبر من العام 1960. درست المرحلة الابتدائية في مدرسة راهبات الناصرة بحيفا، وأنهىت الثانوية في الكلية الأرثوذكسية العربية في حيفا في عام 1978. ثم تابعت دراستي في جامعة حيفا في موضوعي تاريخ الشرق الأوسط والفلسفة، فحصلت على درجة البكالوريوس وشهادة معلم مؤهل. حصلت على درجة الماجستير من الجامعة نفسها، ثم درجة الدكتوراة في التاريخ من جامعة سانت بترسبورغ في عام 1996. خرجت إلى التقاعد المبكر في 2018. ولكني أعمل في حقل التربية والتعليم الأكاديمي منذ 41 عامًا. وأنا ناشط سياسي واجتماعي من خلال عدّة أطر وهيئات محلية وعربية وعالمية عملت

كمحرر في مجلة “الكلمة”،و

نائب مدير (سابقًا)كلية مار الياس في الجليل ،و‌ عميد الطلبة (سابقا) في كلية مار الياس في الجليل، والفرع الجامعي لجامعة انديانابوليس في الجلي

محاضر (سابقا) في قسم تأهيل المعلمين في جامعة حيفا.

محاضر (سابقا)في قسم دراسات التاريخ في الكلية الأكاديمية في بيت بيرل.

محاضر في قسم تأهيل المعلمين في كلية ارانيم.

أسست وأشغلت منصب مدير بنك المعلومات في “مدار” – المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية في رام الله.

عضو في هيئات إدارية في جمعية التطوير الاجتماعي(حيفا)، مركز مدى الكرمل للبحوث الاجتماعية التطبيقية(حيفا)، مركز إعلام(الناصرة).

يكتب بشكل متواصل في الصحافة المحلية والدولية مقالات رأي، ودراسات مُحكّمة

شاركت في عدد كبير من المؤتمرات وورشات العمل داخل البلاد وخارجها، في مواضيع تخصصه وأيضا في مواضيع أخرى تهمه. ومنها:

مؤتمر ” التعامل مع الأقليات” – في مدينة بيكيبورغ- المانيا،1989.

مؤتمر ” إدارات معاصرة لمؤسسات بحثية” في ستوكهولم- السويد، 1991.

مؤتمر ” محرري المجلات المسيحية العربية في الشرق الأوسط: الواقع والتحديات ” في ليماسول – قبرص،1993.

– من الذي وجهك نحو التاريخ و الشغف؟

والدي الذي كان محبا للموضوع، إذ زرع بذوره فيّ. ثم عدد من معلمي الموضوع في المدرسة. وانا شخصيا لدي شغف بهذا الموضوع.

– هل واجهتك عوائق و تحديات أثناء رحلتك في البحث و توثيق التاريخ؟

عوائق كثيرة، أبرزها قلة المراجع والمصادر بالعربية والحاجة الى دراسة لغات عدة لتوسيع افق المعرفة. كذلك، عدم اتاحة ارشيفات عربية امام الباحثين، حيث أن الارشيف هو مصدر رئيس للموضوع.

-الدكتور جوني منصور، ما هو رأيكم فيما يكتب حاليا حول التاريخ؟

هناك نوعان من الكتابة التاريخية. الاول وهو وصفي اشبه بالتقارير الصحفية اليومية، مع الاحترام للعمل الصحافي فهو اعلى وارقى من مجرد تقارير. والثاني هو الذي يغوص في حيثيات الاحداث والوقائع ويحللها مستخدما طرقا واساليب بحثية.

-كتاب (حيفا الكلمة التي صارت مدينة)لقد جمعت في الكتاب صورا فوتغرافيه احتفظت بها عائلات حيفا ما قبل النكبة و بعدها ،و كلمات عن تاريخ المدينة ،كيف جاءت لك فكرة هذا الكتاب؟

انطلقت هذه الفكرة من بيت العائلة التي فقدت كل ما كانت تملكه ما عدا الصور الفوتوغرافية. فجمعتها، ثم انتقلت الى العائلات القريبة ووجدت البومات صور كاملة لديها تعكس حياتها على فترات مختلفة. والصورة كما تعلمين، تغني عن الف كلمة في بعض الاحيان. وهكذا بدأت أجمع الصور، وفي مرحلة معينة لما عرف الناس ما اقوم به، بدأوا يزودونني بالصور من البوماتهم العائلية لمساعدتي في مشروعي التوثيقي.

– هل تعتقد بأنك أخذت حقك من التقدير،أم ظلمت؟

هذه مسألة نسبية. فأنا شخصيا اعمل لوحدي ولا مؤسسة تقوم بمساعدتي او دعم مشاريعي إلا إذا توجهت إليها. بمعنى آخر، أنا مستقل وغير خاضع لأي اجندات سياسية او فكرية. وهذا ما يريحني جدا. واعتقد انني منتشر عبر مؤلفاتي ومقالاتي وبحوثي في مساحات جيدة. ولكن في عصرنا الالكتروني الحاجة الى مزيد من الانتشار هو امر ضروري.

-برأيكم ماذا تحتاج المخابرالجامعية للدراسات التاريخية و الحضارية في العالم العربي و الاسلامي اليوم؟

الحاجة الرئيسية الى المزيد من الابحاث الحديثة والمعاصرة، والتخفيف من الابحاث التقليدية حول مواضيع من العصور الوسطى، مع اهميتها. نحن بحاجة الى مؤرخين يشتبكون مع قضايا ملحة ومصيرية من عصرنا، تتيح تفكيرا نقديا وتحليليا، ورؤى مستقبلية.

-ماذا أضاف العثمانيون في المنطقة العربية،و على ماذا حافظوا؟

اعتقد ان تأثير العثمانيين على مدى اربعة قرون كان ابرزه في التنظيم الاداري للدولة وكذلك تنظيم الاراضي وبدايات التنظيم الضريبي الحديث. بالاضافة الى العمران بكافة مكوناته، ما يؤكد دورهم في هذا القطاع.

-هل ترى بأن تاريخ العالم اليوم مدون على أسس علمية و ليس لاعتبارات سياسية، الا يحتاج إلى إعادة كتابته بامانه؟

لا يوجد تاريخ موضوعي في نصه. هناك مؤثرات تعمل بقوة على قلم المؤرخ. فهو لم يعد كما سادت الفكرة أنه موضوعي. فلا موضوعية في الكتابة النصية التاريخية. لا بد من ان يكون المؤرخ منحازا لقضيته مثلا، واقل انحيازا لقضية اخرى من تاريخ شعب اخر.

-لماذا غاب الأهتمام الفلسطيني عن بعض المدن مثل مدينه طبريا،وصفد..إلى درجة تجعل من معرفتها شديدة الصعوبه؟

اعتقد السبب هو الفرز السياسي. فاتفاقيات اوسلو عزلت الفلسطينيين في الداخل ومدنهم بما فيها المنكوبة كصفد وطبريا وبيسان واللد والرملة. ويجري التركيز على مدن الضفة الغربية والقطاع. علما ان جوهر الصراع هو على مدن الداخل الفلسطيني الواقعة تحت الاحتلال الاسرائيلي منذ عام النكبة في 1948. يعني انا اوجه السهم نحو الفلسطينيين انفسهم قبل غيرهم. فإذا اهمل الشخص تاريخه، هل يتوقع من الغريب ان يكتبه له؟

-الكتابه عن البدو قليلة لماذا؟

هناك تحسن بشكل ملحوظ في هذا المجال بعد ان بدأنا نرى مؤرخين من البدو في فلسطين الذين همهم الكتابة عن البدو سواء في النقب الفلسطيني او في مناطق اخرى كالجليل والضفة الغر بية. اعتبر ان موضوع البدو أفضل من العقود السابقة. الحاجة الى النشر للابحاث ما يعزز المعرفة عنهم.

-كتاب( إسرائيل الاخرى)يحمل في مضامينه رؤية و جواب لسؤال ماذا يعرف العرب عن اسرائيل، فهو سؤال جوهري….ماذا يعرف العرب عن إسرائيل؟

باعتقادي ان النخبة هي التي تعرف. اما الشعب فمعرفته محدودة لعدم توفير المعلومات ومصادر المعلومات له، علما ان الانترنت انتشر بصورة افضل من قبل. في حين اننا اذا قارنا مع ما يعرفه الاسرائيلي عن العربي فالبون شاسع، إذ أن الالة الاعلامية الاسرائيلية تعمل 24 ساعة دون توقف لخلق فكر اسرائيلي عن العرب. بالاضافة الى غياب حيز الدمقراطية وحرية التعبير عن الافكار والاراء، ما يحدد وضوح النص التاريخي كما النص السياسي.

– هل يقتصر تجميع المادة العلمية التي تقوم عليها بحثك على جهدك الفردي؟

نعم، انا في الغالب اعمل لوحدي من الالف حتى طباعة ونشر الكتاب. إذ أن دور النشر غائبة عن دعم المؤلفين. بل تسعى الى اخضاعهم الى عمليات حسابية يخسر فيها المؤلف كل جهوده. من جهة أخرى، البحث الميداني ليس مسألة سهلة للغاية، بل صعبة وتحتاج الى جهد ووقت. والحمد لله اقوم بها بكل محبة لأني التقي مع ناس صنعوا تاريخهم الصغير الذي سيصبح كبيرا ما قادم الايام.

-إلى أي حد تساهم كتابة التاريخ في بناء سردية وطنية؟

التوثيق النصي مهم جدا في كتابة تاريخ شعب. فنحن كفلسطينيين نواجه سردية صهيو- اسرائيلية تعمل على تزوير التاريخ كما تزور الاماكن ومسمياتها وايضا تزيف الحقائق على الارض. وهذا طبعا بهدف الغاء الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني في ارضه ووطنه، بل انكار وجود هذا الشعب بالكلية. بناء عليه، من واجبي ان اعمل على تثبيت تاريخنا وتراثنا وحضارتنا ولغتنا العربية وكل تفاصيل حياتنا.

– بعد كتابة العديد من المؤلفات و الابحاث التاريخية ،هل يمكنك استنباط أنساق معينه لقراءة المجتمع الفلسطيني الذي أصبح مجتمعات بحكم تمزق الأمكنة و الجغرافيا؟

لم تعد الكتابة التاريخية مجردة عن مواضيع بحثية أخرى. فالحاجة ماسة جدا الى الجغرافية والسيكولوجيا والانثروبولوجيا والعلوم السياسية والثقافة عامة، حتى يصل المؤرخ الى شمولية بحثه حول تاريخ فلسطين. وجراء الانتشار الفلسطيني فهناك عدة تواريخ تفرضها حالة اللجوء والشتات. ودور المؤرخ ان يعرف كيف يجمعها في نص موحد لشعب واحد منتشر جغر افيا وبالتالي يخضع لاجندات سياسية وحياتية متنوعة.

-ما هو الكتاب الذي تقرأه الآن؟

اقرأ الان كتاب “الحروب الناعمة” للباحث الدكتور عبد القادر فهمي، بهدف فهم الغزو الغربي لمناطقنا بطرق واساليب غير تقليدية.

-كتابك (مئوية تصريح بلفور )صدر بعد مرور مئة عام على تصريح وعد بلفور، ماذا يعالج هذا الكتاب؟

يعالج الكتاب الطريق التي سارت فيها الحركة الصهيونية من اجل تحقيق مشروعها باقامة دولة يهودية على ما اسمته ارض الاباء والاجداد.وكيفية اختراق الصهيونية لاروقة صناعة السياسة البريطانية لنيل ما تريده.

-ما هو آخر عمل صدر لك؟

هو كتاب بعنوان “عقيلة آغا الحاسي” عن شخصية بدوية في منتصف القرن الـ 19 في شمالي فلسطين والتي لعبت دورا سياسيا واجتماعيا بارزا في حماية المنطقة من وصول الفتنة الطائفية من لبنان وسوريا اليها في العام 1860، وهو بهذا قد ساهم في حماية المسيحيين العرب في فلسطين والابقاء عليهم كعنصر ومركب هام جدا في حياة المنطقة عامة وفلسطين خاصة.

-شخصية تاريخية تتمنى أن تلتقي بها؟

اتمنى ان التقي بالدكتور سليم الحص رئيس حكومة لبنان الاسبق لما يتمتع به من مكانة وتواضع وتجرد عن الجاه والمكانة، وكونه نقيا وصافيا وصاحب بوصلة سليمة.

– هل حقيقة بأنه يدافع المؤرخون عن الحقبة التاريخية دون تأثير مذهبي،أو عقائدي،أم هي صفقة بين المؤرخ و المؤرخ له؟

احيانا يدفع المؤرخ ثمن مواقفه ونصوصه، إلا أن الحقيقة اقوى من المؤرخ. فالمؤرخ يموت، ولكن كلمته باقية ومؤثرة إن كانت في موقعها السليم وفي توقيتها السليم. وهناك من يجعل قلمه خادما لفكره، وهناك من يجعل قلمه خادما لاسياده.

كيف تختم الحوارالصحفي؟

اتمنى ان يزداد عدد المؤرخين الملتزمين والمشتبكين بقضايا شعوبهم، حيث أننا نشهد تراجعا في أعداد هؤلاء المؤرخين في الاونة الاخيرة. وان ينالوا بعضا من الدعم المالي والمعنوي من طرف المؤسسات الرسمية. فإذا فقدنا المؤرخين فإننا حتما نفقد جزءا من حياتنا وعلاقتنا بالماضي المعزز لوجودنا في الحاضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: