مقالات

مصير الهوية في ظل العولمة

طالما كان ولازال مفهوم الهويّة بين أخذ وعطاء، إذ أنّ تعريفها غير قابل للحصر أمام تفرّعها على حقول علميّة متنوّعة، ممّا يفسّر اختلاف وجهات النّظر في تناول موضوع الهويّة.

وعلى الرّغم من هذا التّباين، لابدّ من صياغة تعريف موحّد خالي من التّحليلات والنّظريّات كي نتعرّف على هذا المصطلح الّذي يخفي وراءه العديد من اللٌّبس من جهة، والّذي يسمح للباحث أن يبني من خلاله وجهة نظر غير مسقطة من جهة أخرى. كما أنّ الهويّة تنقسم في حدّ ذاتها إلى عدّة جذور، الواحدة منها تفسّر تفسيرات لاتحصى ولا تعدّ وتقوم عليها نظريّات عديدة. وهذا ما لأجله نكتب لكم هذا المقال كي نتعرّف على الهويّة وما يدور حولها كمصطلح.

الهويّة

يمكن تعريف الهويّة على أنّها مجموع الصّفات الّتي تميّز الفرد أو الجّماعة عن البقيّة، بمعنى مجموع السّمات والسّلوكيّات الّتي تجعل من الأنا “أنا” ومن النّحن” نحن”.

كما أنّها تشير فلسفيّا إلى الوعي بالذّات ومعرفة ما يميّزها وهي التّشارك في العديد من الأشياء الّتي تشكّل مجموعة من الأفراد على نفس الرّقعة الجّغرافيّة والّتي يغلب عليها طابعا معيّنا يعبّر عن واقعهم كما يختلف عن بقيّة الشّعوب حول العالم، وعادة ما تكون الهويّة مصدر فخر سواء بالنّسبة للفرد أو الجّماعة قد تصل حدّ التعصّب ونبذ الآخر المختلف على المستوى الهويّاتي

إنّها مصطلح قابل للفهم على عدّة مستويات متباينة قد تكون مفهوم متّفق عليه من قبل شعب أو مجموعة أو بشكل فردي، أي فهم خاص وشخصي.

أنواع الهويّة

يمكن تقسيم الهويّة كمصطلح موحّد إلى خمسة أقسام أساسيّة وهي:

الهويّة الفرديّة: وترتبط بصفة مباشرة بكلّ ما يمثّل الفرد في المجتمع من خلال انتمائه وطريقة تفكيره، باختصار, هو الجّواب عن سؤال ما الّذي يجعل ذاك الشّخص هو ذاك الشّخص لا غيره.

الهويّة الوطنيّة: وهي تلك الّتي تجمع مجموعة من الأفراد في نفس المكان يسمّى أرض الوطن ويسمّى فيها الفرد مواطنا يتمتع بحقوق وملزوم بواجبات يعيّنها الدّستور لضمان المساواة بين جميع المواطنين الحاملين لهويّة ذلك البلد.

الهويّة الجّنسيّة : وهي تحديد جنس الفرد إمّا ذكرا أم أنثا أم شيئا آخر حسب رؤية الفرد لنفسه وإحساسه.

الهويّة الثّقافيّة: ونعني بها التّاريخ الحضاري للأمّة الّذي نراه غالبا في العادات والتّقاليد والأفكار الّتي يؤمن بها الأغلبيّة، إنّها الثّقافة الّتي تجعل أمّة ما فريدة ومشهورة بسلوكاتها الثّقافيّة والفكريّة. نأخذ الثّقافة الأمريكيّة كأبرز مثال وقد احتلّت هويّتها الثقافيّة العالم في عصرنا الرّاهن.

الهويّة العرقيّة: وهي مركّبّة وحمّالة أوجه، ويمكن أن نفهمها على أنّها صفات شكليّة، نسبيّة أي رابطة دم وقرابة، واسميّة كذلك، وقد تشير في معناها إلى القبيلة والقبليّة تماما مثل العرق الآري الألماني وأمريكا الّتي تضمّ العديد من الأعراق ضمن شعبها مثل الآسويين الذّين يمثّلون 5 .33بالمائة والأفارقة 12.4 بالمائة والاّتينيين 23 بالمائة من السّكان على غرار العرق البروتستانت الأنجلو ساكسوني الأبيض حسب آخر الإحصائيّات لسنة 2020.

أهميّة الوعي بالهويّة بالنّسبة للفرد والجماعة

إنّ الهويّة من خلالها يكون الوجود في هذا العالم، إذ أنّها البطاقة الّتي تعرّف بالفرد والجّماعات لفرض أنفسهم أمام فسيفساء من الهويّات المختلفة المتنافسة فيما بينها، كما يمكن أن يكون هذا التّنافس داخل الوطن كذلك، فمن دونها ضياع وغربة.

علّ هذا الإحراج يقودنا إلى أهميّة الوعي بالهويّة لأنّها الإجابة عن سؤال من نحن؟ وبالتّالي من أنا؟ فبلسان تشارلز تايلور في منابع الحياة، خسارة الهويّة هو تيه وتجربة مؤلمة ومرعبة. فعدم معرفة الذّات ينجرّ عنه الإحساس بالغربة الرّوحيّة وفقدان لذّة الوجود. كما يمكن التّعبير عن هذا الشّعور بالموت البطيء تماما كما الجّرثومة الّتي تتوغّل في الجّسم فتأكله رويدا حتّى تجعله يتهادى من فرط المرض. أليس فقدان الهوّية مرض؟

بل وأكثر بكثير. لذلك وجب أن يتمسّك كلّ من الأفراد والجّماعات بهويّته مع الانفتاح على اللآخر المختلف، بناء على مقولة غاندي الشّهيرة “يجب أن أفتح نوافذ بيتي كي تهبّ عليه ريح الثّقافات لكن بدون أن تقتلعني من جذوري” وهي رسالة صريحة لمعرفة الذّات معرفة جيّدة يتمّ تطويرها وصقلها عبر الأنا الغريب عنّي.

العولمة وأزمة الهويّة

إنّ ما يشهده عالمنا اليوم من انفتاح على بعضه البعض طالما كان موجّها إيجابيّا نحو نموذج العالم- القرية الذي يسمح للشّعوب والأفراد بالتّثاقف في إطار التّعارف وتبادل المعارف من أجل وحدة عالميّة تقبل الكثرة، وتجعل من العالم فسيفساء جميلة في اختلافها الموحّد. إلاّ أنّها تدريجيّا أظهرت وجهها الحقيقيّ المتخفيّ وراء ما يسمّى بالقيم الكونيّة، وأصبحت العولمة الغول المخيف الّذي سيطر على العالم وخلق ما يسمّى ب” أزمة الهويّة”، حيث أصبحت هويّة العالم واحدة جرّاء التبعيّة الدّغمائيّة الّتي تقود عالم اليوم، بل وتعمل على دمغجة الأفراد كي تمحي كلّ أثر للتّميّز والاختلاف الّذي يهدّد الهويّة المسيطرة وهي الهويّة الأقوى على الصّعيد اللاقتصادي والاجتماعي والثّقافي. كما جعلت كلّ من يخالفها يوصف على أنّه رجعيّ ومتخلّف لا يواكب العصر الّذي صنعته لنفسها وحكمت بتطوّره هذه الهوّية الدّيكتاتوره بنفسها وحسب قواعدها خدمة لمصالحها.

إنّ ما نراه اليوم هو ضياع وسط الحشد، هو غربة ذاتيّة داخل الوطن لا فقط خارجه، بحيث لم يعد الواحد منّا يعرف من هو بل لم يعد قادرا على تقبّل نفسه ومحيطه وتاريخه، هذا ما انجرّ عنه فقدان اليقين بالذّات ليظهر الفرد بصورة شكليّة أمام المجتمع مختالا بالوهم والزّيف الّذي يلبسه مع الإحساس الدّاخليّ بأنّه ليس هو تماما ما يريد أن يكون، إنّما قوّة العولمة هي الّتي حسمت الأمر باتّباع طرق تتحكّم في إرادة الآخرين دون مراعاة لضرورة الاختلاف أمام المادّية الّتي تحكم الهويّة الكليّة المسيطرة في حدّ ذاتها ما يفسّر فشل الوعي بالهويّة التّقليديّ في مواجهة هذه الآفّة.

إنّ هذه المعضلة تقودنا بالضّرورة للبحث أكثر وأعمق في خضمّ هذا العالم الّذي يسير نحو تشكيل نسخة واحدة للهويّة، والتّي بها ينعدم المعنى الأصليّ والطّبيعيّ للحياة. واقعيّا، هذا ما نشعر به تحديدا في الوجود الّذي أصبح فيه العديدون ينكرون ذواتهم، لغاتهم، دينهم، وطريقة عيشهم، إنّهم يتنكّرون لهويّاتهم الّتي أضحت تخجلهم بسبب العولمة الّتي حدّدت ملامح الإنسان المعاصر، فأضحى المعيار الذّي يقاس به التّحضر. يأتي هنا دور الفلاسفة والمفكرّين المغيّبين على السّاحة لخوض معركة إنسانيّة ينتصر فيها الكوني الحقيقيّ، أساسه التّشجيع على التّنوّع والاختلاف والعيش المشترك، فهم الّذين تبقّوا ليعودوا إلى العالم بصورة حياديّة يوجّهون أشرعة المركبة إلى طريقها الصّحيح بعد أن حادت وضاعت في زقاق العولمة.

إنّ الهويّة جوهر الوجود بتنوّعها واختلاف تحليلها وتعدّد النّظريّات القائمة عليها نظرا لأهمّيتها بالنّسبة للفرد والجّماعة وذلك من أجل معرفة الذّات والمكانة الّتي تحتلّها في العالم المعاصر، فالجّهل بها حتما سيزيد في الهوّة الفاصلة بين هويّة مسيطرة على العالم وأقليّات تنخرها العولمة كي تمحي وجودها وبالتّالي حرمان الإنسان من التّمتع بالإختلاف كحقّ طبيعي مسلوب في عالم أضحى نسخة لهويّة مزوّرة، لكن بمعايير جديدة، لأنّ” ديسك” حبّ الذّات والتّاريخ ورفض التّعامل مع الآخر في قرية-كونيّة يعدّ انغلاقا وتعصّبا والتّقليد مسحا للذّاكرة، لهذا وجب ابتكار البديل بسرعة تعادل سرعة هذا العالم الجّديد، لأنّ “التّاريخ الهويّاتيّ” في طريقه إلى الاضمحلال.

المراجع:

وئام الجبالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: