عاممقالات

للمرة الألف


للمرة الألف


بقلم: 
     رانيا الرباط

للمرة الالف يثير خلع حجاب احدى الفنانات حربا ضروسا بين فئات المجتمع فينغمس الجميع في القضية الخلافية حول فرض الحجاب وعدم فرضيته وتشهر الاسلحة وتراق دماء وتستحل أعراض وتنبش قبور علي صفحات السوشيال ميديا لنجد أنفسنا أمام لوحة عبثية قاتمة الألوان تشع حقداً وكراهية وتبعث في النفس النفور. مشهد عبثي تحكمه الفوضي الخلاقة التى خلقت مجتمعا مشوها تتناحر طوائفه تنفيذاً لمخططات آخرون يرقبون ما يحدث بابتسامة عريضة وزهو لنجاح ما أرادوا. 
للمرة الالف تضع حادثة أمام أعيننا الحد الذى وصلنا اليه من الانقسام والاختلاف فنرى مجتمعا تحكمه الطبقية التى تضيف لنفسها بعدا آخر غير الاسباب الاقتصادية. لا خلاف علي تفشى الطبقية بعد ٢٥ يناير فانقسم المجتمع بين طبقة مخملية او كما يطلقون عليها “الايليت” واخرى تدمج ما كانت تسمى بالطبقة المتوسطة -والتى كانت تعد رمانة ميزان هذا المجتمع والسبب في بقائه صامدا محافظا علي القيم والتواجد العربي والدولى بسبب جودة تعليمها ووسطية واعتدال فكرها واخلاقها -مع الطبقة التى كانت تسمى قديما طبقة محدودى الدخل، فبعد ركود السياحة عقب ٢٥ يناير جاهدت فئة كبيرة من متوسطي الدخل وحاولت التشبث بما حققته من انجازات خلال سنوات الا ان ما ألم بالبلاد من ظروف اقتصادية قاسية دفعها للسقوط فباع منهم ما تملك من شقة واستبدل اخرون مدارس ابنائهم الخاصة باخرى حكومية لنجد أنفسنا أمام طبقتين لكل منهما خصائصها وأفكارها التى تجاهد كل منهما في فرضها علي الاخرى فيحدث الصدام والخلاف فيتم تبادل الاتهامات التى تصل الي حد التكفير أحيانا لنعاود أدراجنا الى الحديث عن مفهوم الحرية التى تطلع لها الشعب بعد ٢٥ يناير لنجد أنفسنا وللأسف قد اختلفنا حوله أيضا بطريقة مزرية باعثة علي الاكتئاب ليشعر كثير منا بالاختناق وبأن الدائرة تضيق حول رقبته وبانه ليس هناك أملا في الخلاص؛ ولكن هل حقاً ليست هناك أية فرصة للاتفاق؟ هل أضحى التناحر السمة الاساسية المميزة لشعبنا؟ أين المعتدلين من علماء الدين والنفس والاجتماع مما يحدث؟ أين التصدى الحقيقي لفئة ترى ان نصر دين بعظمة الدين الاسلامى مرهون بارتداء او خلع امرأة للحجاب؟ أين التصدي لفكر يهلل فرحا لمطربة امريكية تحجبت صارخا هنيئا لقد فزت ورب الكعبة بالجنة ؟!! أين نحن من فكر  يختلق القصص والاكاذيب معتقدا ان مايكل جاكسون وديانا قد قتلا لأنهما أسلما !! وكأن باسلامهما يزداد الدين شرفا وعزة وتهرع الحشود للدخول في الاسلام ؟!! أين نحن من فكر ينفق فيه أثرياء الأمة الملايين لاقناع فنانة بالحجاب معتقدا أنه بهذا ينتصر لدين الله؟!! أى عبث هذا الذي يدفعنا لترك عباداتنا والتضرع لدفع احدهم للدخول في الاسلام اعتمادا علي ان من يدخل فردا في الاسلام نال الجنة؟!! فنقصر في اداء فرائضنا مكتفيين بما ننفقه من أموال لدخول الاخرين دين الاسلام؟!! أهى العودة لعصور التواكل حيث كان المال يدفع ليقوم البعض بالصلاة والصوم بالانابة عن اخرين؟!! الا نرى ان هذه الافعال اهانة لديننا العظيم؟!! كيف نفقد بوصلتنا فيتشعب بنا الطريق ونتباعد بتطرف شديد فيؤدى اصرار البعض علي اظهار الدين وكأنه دينا رجعيا لا يتناسب مع زماننا الي الحاد البعض الآخر!!!! في تغافل أو تناسي متعمد الى ان انتشار الدين الاسلامى في مشارق الارض ومغاربها عن طريق التجارة لم يكن بسبب رؤية المرأة المتشحة بالسواد في هودجها بل كان بسبب أخلاق التجار وما تضمنته من قيم الدين الحقيقية في التعامل مع الاخرين من احترام وامانة ومراعاة للضمير  قيم أغفلناها في تعاملنا معا فانقسمنا بتطرف بات يهدد سلامة المجتمع الذي امتلأ نتيجة لمحاولات الاستقطاب المتناحرة بشتى الامراض النفسية في غياب تام لدراسة ما طرأ على مجتمعنا من افكار مغلوطة لمحاولة ايجاد الحلول لها لنتمكن من العبور بسلام بسفينة هذا المجتمع الذي تحدث كل واقعة به تجويفا يزيد من ارتفاع منسوب الماء به حتى أوشك علي الغرق!! لابد وان يتم تصحيح المفاهيم وان تقدم كل طبقة تنازلا لنستطيع التعايش معا؛ دعونا مثلا نقر بفرضية الحجاب وأيضا نقر بحرية الاختيار فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فاننا لا نهدى من نحب لكن الله يهدى من يشاء اذا كان الحجاب فرض كالصلاة والصوم والزكاة في نظر البعض فانتم لا تحاسبون الناس علي تقصيرهم فى صلاتهم او تعلمون حقيقة صيامهم فلماذا تحاسبونهم علي مظهر خارجى وقد أكد الدين ان الله ينظر لقلوبنا وليس لصورنا !!! كيف نستبيح لانفسنا حق حسابهم وتقرير مصيرهم وتوزيعهم بين الجنة والنار وهذا حق الله وحده سبحانه بما لديه من العدل والميزان  
الذى لا يعلم كيفية أدائه الا الله فيذكر لنا ان امرأة دخلت النار في هرة وان رجلا دخل الجنة لسقايته لكلب اذن فالتزامنا بأداء ما فرض علينا من عبادات مرهون أمر تقبله أو عدم تقبله برحمة الله الذي يرى صورتنا الكلية ويعلم بواطن أنفسنا وخفاياها ؛ لماذا لا نعترف بنقصان رؤيتنا ونأخذ بمكارم ديننا فسنرجع الي الله فرادى كما خلقنا فكما سيفوز  جمع منا بالجنة فلا بد لجهنم أيضا لوقود لسعيرها؛ وان كنا نتطلع الي الحرية فعلي من يتشدق بها ان ينتهجها.

للمزيد


مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock