شعر وحكاياتعام

انفصام

#بقلم جيهان عوض
كانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة والشوارع مظلمة الا من ضوء البرق الخاطف وتحت زخات المطر وصوت الرعد الذي يخترق الأذان وقف رجل في نهاية العقد الخامس من عمره لا يدري الي أين وجهته ومن أين أتي والأفكار تتلاشي من رأسه وصوتا بداخله بأ يعلو ويعلو فيتمتم بكلمات غير ممفهومة لافتا انتبهاه المارة ومن بين هؤلاء المارة شاب ثلاثيني التفت اليه فوجده كاد ان يسقط فأسرع اليه كيف لرجل ذو ملابس فاخرة وساعة تدل علي ثراؤه أن يترجل في هذا الوقت المتأخر من الليل و لا يوجد ثمة سيارة في الجوار !فاستدار ليسأله عما دار في عقله ليهدأ خلده فوجده يتمتم بكلمات غير مفهومة ذات رتم واحد فسأله ما الذي أتي بك الي هذا المكان في هذا الوقت المتأخر من الليل فرد بتلعثم : لا أدري فقال له الي أين تذهب قال :لا أعلم …فزاد اندهاش أسامة الذي تبين له فيما بعد دكتور الأمراض العقلية وهو يصافحه ويعرفه بنفسه كان عائدا من عيادته الجديدة التي تبعد عن منزله أمتارا قليلة 
فاصطحبه الدكتور لعيادته خشية ان يعود الي أهله برجل غريب في هذا الوقت المتأخر حيث كان يسكن هو ووالدته وحدهما بالمنزل فدخلا العيادة وأجلس الغريب علي الشيزلونج الذي لم يجلس عليه أحد بعد ونظر الي عينيه الخضراوتين المملوءة بالحيرة وأشار اليه أن يتكلم وهم بالكلام الا ان قاطعه جرس الهاتف ونظر الطبيب الي الهاتف وابتسم ورد قائلا :نعم أمي لا تقلقي سوف أبيت بالعيادة اليوم لا زال وقت طويل لأنتهي من العمل تصبحين علي خير ونظر اليه وقال أمي لا تزال قلقة علي حتي الأن فارورقت عينا الرجل بالدموع كأنه يتوسل الي ذاكرته أن تسعفه بتذكر شئ الا أنها أبت فساد الصمت طويلا الي اان هم الطبيب بالوقوف وقال مبتسما تصبح علي خير سأوي الي الكنبة المجاورة ولا تخ لا أحدث صوت وبعد ساعات قليلة انبعث ضوء الي الحجرة معلنا بدء يوم جديد فاستيقظ الطبيب ونظر لوجه الغريب في شفقة وقال محدثا نفسه أصعب شئ في الوجود ان تفقد هويتك و أعد الفطور والقهوة وانتظر قليلا وأشفق عليه ان يوقظه فترك له رسالة “صباح الخير ذهبت الي عملي فقد نسيت ان أخبرك اني دكتور جامعي حديث , أود أن أساعدك عند عودت أن أجدك وحينما وصل الي مكتبه بالجامعه لم يلبث حتي دق الباب فأذن بالدخول للطارق , اذ بفتاة بيضاء جميلة ألقت السلام وقالت بطريقة رسمية :اسمي ايمان بالفرقة الرابعة وأريد أن أعرف الكثير والكثير عن مرض الأنفصام ولكن عن قرب أريد ان اجلس مع حالة مصابة به لكي اعلم ما يدور بعقلها وما الذي تشعر به وحينما سألت علمت أن موضوع رسالتك عن الأنفصام فضحك وباغتها بسؤاله لما تريدين أن تنقبي عن خبايا هذا المرض ؟ تلعثمت وذهب ماء وجهها ارتباكا وخلعت نظارتها بانفعال وقالت أليس بكاف أن أكون طالبة طب لكي أستكشف هذا المرض ففهم أنها تداري شيئا ما بصدرها وقام من كرسيه وأقبل عليها وهو يقول : الأنفصام يا ايمان هو اضطراب عقلي شديد يؤثر علي سلوك و تفكير المريض و ادراكه ويصاحبه عادة ظهور أعراض ذهانية أسرعت وقالت (psychotic symptoms)فقال نعم مثل سماع أصوات او التوهم فأكملت وهو يسمع باهتمام نعم يا دكتور يعد هذا المرض من الأمراض العقلية المنتشرة نسبيا فأكمل أسامة :في هذه الحالة المريض يحتاج الي دعم واطمئنان وتقوية العلاقه بينه وبين طبيبه والمعالجة النفسية تفيد في التقليل من الأوهام لدي المريضقالت بأسي نعم ونظر الي وجهها كأنه تذكر شئ فأسرع وقال لدي حالة بالعيادة لم أشخصها بعد لدي احتمال كبير بأنه مريض انفصام أتمانعين مجيئك معي لعيادتي لنري الحالة؟ سكتت لبرهة ونظرت للخلف كأنها تستغيث بمن يعاونها باتخاذ القرار وقالت بتحد نعم سأذهب معك وحالا !قال سأعتذر عن عدم القاء محاضرتي اليوم ونذهب قالت بصوت عال بشرط تأتي معي بسيارتي أومأ برأسه موافقا وانطلقوا باصطحاب السائق معهما فولج الطبيب الي الحجرة التي بات بها الغريب وجده نائما كما تركه فأيقظه بلطف قبل ان تدخل ايمان 
وطرقت الباب فاعتدل الغريب وما ان رأته حتي أجهشت بالبكاء والطبيب مندهش ويهدأ من روعها فنظر اليها الغريب نظرة استعطاف وبعد أن هدأت قالت بصوت مخنوق وكأنه جاء من بئر عميق كانت أمي مريضة بالانفصام وكنت حينها لا زلت صغيرة وماتت منتحرة بسبب عدم وجود من يحتويها ويتفهم مرضها فأشفق عليها الطبيب وقال هذه أفة مجتمعنا حتي المرض يعاقبون من يبتلي به و كأنه شئ مهين .
خاصة وإن كان المريض امرأة، فالموت أهون لها مسحت إيمان دموعها وقالت هذا الرجل لابد أن يشفي حتي لا يكون مصيره مثل أمي ولكن أين اهله؟ وما حكايته؟ فسرد الطبيب عليها ماحدث ليلة امس حتي الساعة وانتفضت من مقامها وقالت : سوف نجد اهله أولا لما لا نبدأ بالسؤال عنه في المستشفيات الخاصة يبدو من ملابسه أنه ثري فرد مسرعا: لما لم أفكر في هذا الأمر ،فانتفض المريض حين سماعه كلمة مستشفي ونطق أخيرا بكلمات مفهومه: مستشفي لا لا لا…. انا لست بمريض،انا أحب أطفالي،لم أتركهم،هم ينتظرونني سأذهب لهم ،وهم بالوقوف ،فاستوقفه الطبيب،وقال سأذهب بك اليهم انتظر!! رد منفعلا: اتركني انا احبهم وهم يحبونني سيحزنون كثيرا لغيابي.. وسقط مغشيا عليه،فاسرع الطبيب باعطائه ابرة وحاول جاهدا ان يضع بعض العقاقير تحت لسانه وعدله علي الشازلونج ،واخرج هاتفه وأخذ يصور المريض في وضعه،وايمان تترقب مايحدث بذهول وارسل رسالة واحده لصفحات المستشفيات الخاصه بالامراض العقليه والنفسيه مرفقة بصورة المريض،ولم يلبث كثيرا بل جاءته رسالة علي الفور من مستشفي تعد من اكبر المستشفيات الخاصه تصرح بأن المريض من نزلائها،بل انه هارب منها منذو يومين،واسرع برساله يطلب تقرير وافي للحاله فردوا بالفايل الكامل للمريض ،فأيقن أنه مريض انفصام ولديه شاب وفتاة فبحث عن أرقامهما وطلب من إيمان ان تتصل بالفتاة وتخبرها عن أمر أبيها وهو اتصل بالشاب،فاستجابت البنت وأسرعت إلي العيادة، وولجت الي الحجرة التي بها والدها،،ونظرت للدكتور وقالت هكذا هو دائما يهرب ويسبب لنا الاحراج،اقتربت منها ايمان وقالت ما قصته؟ شردت قليلا وتنهدت وكأنها تستدعي ذاكرتها وقالت بصوت خافت تزوج أمي عن حب،وكانت أمي طموحه ،فلما جاء لابي عقد بمرتب مغري لدولة عربية فرحت أمي كثيرا وشجعته للسفر بالرغم من تردده الا انه أبي ان يرفض لها طلب لأنه يعلم مدي رغبتها في الحياة الرغدة المرفهة ،تركنا أطفال وكان يعيش علي ذكري طفولتنا وبالرغم من التواصل بيننا عبر مواقع التواصل، إلا انه عند عودته بعد سفر طويل اصطدم بالواقع وسكتت هنيهة،واكملت ،كل منا كون شخصية بعيده كل البعد عن ما كان يتخيله أبي،فلم يتقبلنا،ولم نتقبله!! نظرت لها ايمان بنظرة تعجب،فقالت الفتاه وكأنها فهمت مايدور بخلدها كنت أريد أب لا دفتر شيكات!! كنت أحتاج حب لا ملابس برندات!! إلا أن جاءت تلك الليلة المشؤمة حيث رجعت البيت متأخرة كعادتي. ووجدته بانتظاري وعنفني بشدة وانهارت ولم تستطع امي تهدأتي وقلت له دون ان أدري: ليتك لم تعد!!!! فطرح أرضا… ولما أفاق كان يناديني أنا وأخي ونحن أمامه وكأنه لا يرانا!!!
… .ويقول اريد أبنائي وكأنه لا يرانا!!
فاصابتنا الدهشة واستدعينا طبيب العائلة وعرض علينا أن ندخله المشفي واستجبنا له،وفهمنا الطبيب أنه دخل نوبة تسمي الذهان
(Psychosis)
والتي خلالها ينعزل فيها عن الواقع ويبدأ يتخيل أصوات ومشاهد واحاسيس غير موجوده
ولكن في حالة والدي فالامر اختلف قليلا حيث صرح الطبيب أنه فضل العيش بالماضي ونسي او تناسي الفترة الاخيرة من حياته وكأن توقف الزمن عندها!!
وكانت تصرفاته مخجلة بالنسبة لي ولأخي ،ففضلنا أن يبقي بالمشفي ،الا انه بين الحين والاخر يهرب كما ترون
… لم تتوقف ايمان عن البكاء حتي انتحبت،ولمست جفاء من هذه الفتاه التي لم تقدر نعمة الابوة
وفضل الطبيب التدخل وقال لها المريض بهذا النوع من المريض العقاقير والادوية ضرورية ولكن الحالة النفسبه مهة جداا
وقاطعته إيمان ليتني كنت كبيرة واستوعب هذا الكلام حين مرضت أمي ما كنت لأدعها تنتحر!!!
ففهمت الفتاه لماذا تبكي ايمان
بينما هم يتحاورون اذا بالمريض يفيق من اغمائه ويعاود مناداته علي ابنائه
وهرولت اليه ايمان وقبلت يديه،وأحست انها تقبل يد أمها،
ففهمت الفتاة الرسالة فاقبلت إلي والدها وقبلت جبينه ،وكأنها تقول لها أنا أولي بأبي من أي أحد !!
واذ بشاب يدخل الغرفة بعد طرق الباب ونظر الي المريض ،وقال هكذا انت ياابي توقعنا بمواقف محرجة!!
فقالت أخته بانفعال: اصمت!! وهم لننقل أبانا الي المنزل سيكمل العلاج بيننا ،واستأذنها الدكتور أسامة أن يتابع حالته
فرحبت بالفكرة،ونظرة اليها ايمان وقالت: هل تمانعين أن أزوره بين الحين والاخر
قالت: علي الرحب والسعة فغادروا العيادة ،وبقيت ايمان ونظرت الي ساعتها وقالت: لقد تأخرت كثيرا..فقال لها: بل انك تقدمتي كثيرا!! فاندهشت ،وقال: نعم
سبحان من سيرك الي هذا المكان في هذا التوقيت لتبعثي رسالة دون ان تشعري
ليتنا نفهم جميعا اننا نحتاج للحب أكثر من أي شئ ليتنا نعتني ببعضنا البعض بحب
،فاستأذنت ايمان وغادرت المكان مثقلة الخطي ،يجوب بخلدها جل ما حدث
وتدعي بقلبها أن يشفي هذا المريض الذي احتوته بمشاعر العطف والحنين وفي المقابل رآها هو طوق النجاة وجددت له الأمل في الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: