عاممقالات

على ضِّفَافِ الَّبَحرِ حَرِيّقْ


يّحَرِقُون، ويُّحّترقُونْ؛ تّراُهم بِالْمِئات يجلسون من بعد العصرِ، وحتي منتصف الليلِ، علي طُولِ امتداد ضفاف البحر الأبيض المتُوسط، عيونهم ترنو مد البصر للبحرِ ناحية أوروبا، يّتمنُون الهجرة من الوطن!؛؛ وفي ذاتِ الوقتِ مِن فوقِك تري الَسماءُ صافيةً جميلة، وتسمع صوت الموج يقترب كأنهُ يضرب أُذنّيك؛ ثُم نُكمل المسير لمسافاتٍ طويلة علي شاطئ البحر، والمشهد نّفسهُ يتكرر أمامك من رؤية الكثير من الشباب علي قارعة طريق البحر هائمون؛ وفجأة يمُر الوقتُ مسرعاً لتسمع صوت المساجد قد كبرت لصلاة المغرب، وسرعان ما يداُهمك الوقت دون أن تشعر؛ كالعمر يجري بنا إلي نهاية الطريق؛ وتسرح بفكرك متأملاً في خُلدكِ ما يدور، وإذ بٱذان صلاة العشاء يرتفع مُكبراً حي علي الصلاة، حي علي الفلاح، حينها ترفع رأسك ناحية صوت المآذن المرتفعة الشاهقة، فتلمحُ النجوم تتلألأ تُزّيِنُ كبد السماء، والقمر يُنير الكون من حولك؛ ولكنك سُرعان ما تعود لتُشاهد علي مّدِ بصّرِكْ جُموعًا، ومجموعات متفرقة ومتناثرة، توصف بمئات الشباب يجلسون علي الاستراحات يلعبون “الكوتشينة” (الّشَدةْ)، وألعاب أخرى، يلهُون، تائهون؛ وهُم لا ذنب لهم!؛ تبُصرهُم يشربون السجائر ويّحرقُونها، وبعضهُم يدخنون النرجيلة، (الشيشة)، بِّنهّمْ!؛ يّحَرِقُون الّسَجائِر والوقت، ولكنها تُحّرَقْ صِحتهم، وشبابهم، ومستقبلهم، المجهول أصلاً، والذي نُحِر، وذُبح بسكينِ الانقسام البغيض، وضاع بين دهاليز الساسة والسياسة!؛ وكان من المُفترض أن يكون هَؤُلاءِ الشباب هُم عماد، وبُناة وركيزة المُستقبل وجيل النصر، والتحرير لفلسطين المُغتصبة، ولكن الاحتلال ثم الانقسام، حولهم إلي جَيشٍ من البطالة المشلولة في قطاع غزة!؛ وكذلك من يدعون اّلتديُن، والّدِينْ، والإسلام نفروا الشباب وصرفوهم عن دينهِم!؛؛ فصاروا حينما يسمعون المساجد تُكبر الله أكبر حي علي الصلاة حي علي الفلاح، غالبيتهُم لا يهتمون، ومنهم لا يصلون، وكأن أصاب مسامعّهُم، وأذانِهم وَقّرَاْ، وهو عليهِم عمي، ولا يستجيبون للنداء!؛؛ إنُهم يا سَادة ضحية!؛ مرت عليهم ما يقارب “13” عامًا عجاف، والوقت يمضي بهم بلا أي فائدة أو قيمة ولا يجدون أي فرصة للعمل!؛ وفي ذات الوقت فإن غالبية أبناء قيادات الحركات، والتنظيمات والأحزاب، وبعض المؤسسات غير الحكومية الدولية في غزة، يجد أبناؤهم كل شيء، والّمَنَ والسلوي، والحلوى، والمأوى، والزواج، والملبس، والمأكل، والمشرب، والمال، والسفر والمتع!؛ أما ألاف الشباب الأخرين في غزة كأنهم من كوكب آخر!!؛ ومُستقّبلُهم أمسى كالصريم في ليلٍ بهيم!؛؛ ومن ضياع إلي ضياع؛ ومن سرابٍ إلي سراب!؛ فألاف مؤلفة من الشباب هاجروا هروباً من غزة لبلاد الغرب!؛ وأخرون ماتوا غرقاً أثناء الهجرة، وابتلعهم البحر للأبد!؛ وآخرون قد فقدوا أطرافهم وأصيبوا برصاص عصابة الاحتلال في مسيرات “العودة”، والتشبث بكرسي الحُكم” في غزة!، مسيرات الموت المجاني لشبابنا،، وعلينا القول: “فلتعش القيادات في رغد الحياة أمنة مُطمئنة، وليمت الشعب”!!!؛ اتقوا الله في الشعب، وخاصة الشباب،، فإن ما يجري في فلسطين عموماً، وفي قطاع غزة خصوصاً يندى له جبين الإنسانية، حينما تنظر للشباب من غير مستقبل وبدون عمل وجيش من البطالة، ويمضون وقتهم في الجلوس في المقاهي، وتمضي بهم الأيام، وقطار الحياة مُسرعاً؛ فيحرقون الوقت، ويحرقون صحتهم بتدخين السجائر؛ وتحرقهم نار الانقسام المتواصل!؛ إن حالنا يُرثى لهُ، ويحتاج منا وفوراً أن ننهي الانقسام، وأن نوفر فرص عمل كريمة لآلاف الشاب الذين أصبحوا بدون أمل، ومن غيرِ عمل، وبلا مُسّتَقبل!!. 
الأديب الكاتب، والباحث الصحفي والمفكر العربي والإسلامي
الأستاذ الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل 
رئيس ومؤسس المركز القومي لعلماء فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: