مقالات

يوميات مهاجر في بلاد الجن والملائكة

غير حياتك بجنيه واحد الحلقة 2

بقلم : د / محمد حسن كامل
رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب باريس

تنفس الفجر في دعةٍ ووداعٍ في يوم جديد من أيام الله, وتسللت حزمة واهية من خيوط النور خلسة تحاول إزاحة عباءة الليل الثقيلة الداكنة السوداء, واستيقظت الطيور من أوكارها لتعلن ميلاد يوم جديد, صلى صاحبنا الفجر في مسجد بالقرب من بيته الذي تحيطه المساجد من كل الجهات , كان يسمع الآذان كما لو كان المؤذن يؤذن في أذنيه , كان يعشق تكرار الآذان من مساجد عديدة , الأمر الذي يجعله أن ينتصر على الشيطان حينما يحلو النوم وقت الفجر, وأسرع صاحبنا يحث الخُطى إلي شاطئ ذاك اليم بينما مستْ سبائك ذهبيه من أشعة الشمس صفحة الماء الهادئة, وكأنها مرآة تعكس زُرقة السماء الصافية في مطلع شهر يوليو سنة 1979 , وأعتلي صاحبنا صخرته المفضلة وراح يتأمل صفحة الماء الساكنة وقد أصبحت ملساء هادئة , كما تلاشت رياح الأمس العاتية بل اختفت أمواج البحر بلا رجعة, عجيب أمر هذا البحر تارة تراه غاضباً هائجاً وأخرى تراه وديعاً هادئًا صافياً , مثل الأيام والقدر, وقذف صاحبنا بسنارته في الماء وراح ينتظر ومدّ بصره نحو الأفق في لحظات سرمدية وكأنها الدهر بأكمله , وسافر بخياله إلى الشاطئ الأخر من البحر وراح يتنقل من مدينة إلى أخرى من موانئ أوروبا التي تطل على المتوسط , وكم تمنى أن يرسل همزة الوصل من الشرق إلي الغرب, ولما لا وقد ساد الشرق يوماً ما العالم في وقتٍ كان الغرب يغطُ في نوم عميق وجاهلية ظالمة. .
وبينما هو مستغرق في تفكير عميق,اهتزت سنارته فجأة وجذبته سمكة كبيرة أوقعته في الماء, وراح في صراع مع السمكة وأخرجها من الماء كما أخرجته من حُلمه, ومرت صفحة اليوم ورحلت دولة النهار. وفي المساء التقطت يداه كُتيبا ثمنه 5 قروش عداً ونقداً بعنوان اللغة الفرنسية بدون معلم وحاول أن يقرأ جملة واحدة لم يستطع فألقى الكتاب بيمينه بعد أن شعر بالملل.
كيف يمكن التعلم أي لغة بدون معلم….؟
تذكر تجربة الكاتب الكبير عبد القادر المازني
حينما التقطتْ يداه كُتيباً عن اللغة العربية بدون معلم
فقال في نفسه بغيظ شديد كم نعاني نحن معشر الكُتاب من مشاكل اللغة العربية وصعوبتها فقرر أن يخوض تجربة اللغة العربية
بدون معلم طبقاً لكتابه الذي اشتراه , واشترى قبعة ليظهر بمظهر سائح أجنبي , وأشار إلى عربة حنطور وفي مشاهد كوميدية كان الحوارمع السائق:
نظر إلى كتابه وقال بلهجة عربية مدغدغة
ــ يا أربجي أوز أروه المهطة
فرمقه السائق بنظرة ازدراء
وقال له اركب
نظر المازني لكتاب اللغة العربية بدون معلم وسأل السائق :
أنا أدفع 3 كروش فقط
جذبه سائق الحنطور من ثيابه وأخذ يزبد بكلمات غير مفهومة وألهب ظهر حصانه وانصرف .
كانت تلك النتيجة السيئة من كتاب اللغة العربية بدون معلم .
حديث رائع بين المازني رحمه الله المعروف عنه خفة الظل والسائق يمكنكم الرجوع إلى كتابات المازني بعنوان
اللغة العربية بدون معلم
وسجل صاحبنا امتعاضه وسخريته من هذا الأسلوب الرخيص لتقويض مناهج البحث العلمي للتدريس والتعليم في بلادنا , مقارنة بالدول الأجنبية التي تخصص معامل صوتية لتعليم اللغات , بل تسأل كيف تسمح الدولة بتسجيل هذه الكتب ….؟
خرج يقصد أصدقائه من الشباب ليسترق السمع عن حكايات السفر إلي الخارج , وفي الطريق مرّ علي مكانه المفضل مكتبة عم ((عرفان)) وهي عبارة عن رصيف من أرصفة الشارع اكتظ بالكتب والمجلات ومعظمها مستعمل أن لم يكن كلها رخيصة الثمن توافق ميزانية صاحبنا في هذا الوقت وإذا كان صاحبنا صياداً في نهاره للسمك فهو صياد في ليلة للمعرفة فقد كان معروفًا عنه حبّه الجم للقراءة والإطلاع وكم فارق الأوطان وعاد مع الكتب وهو علي يقين أن القراءة أرخص وأمتع وسيلة للسياحة والسفر.
فقد جاب العالم مع
الكاتب الكبير أنيس منصور في كتابه حول العالم في 200 يوم
وغيرها من الكتب مثل ألف ليلة وليلة ورحلات بن بطوطة وابتسم له عم عرفان الرجل الطاعن في السن, والقارئ والمثقف واخذ صاحبنا يتفحص الكتب المُلقاة علي الرصيف وقد غطاها التراب ونال منها الزمن , تلك الصورة التي حفظتها الذاكرة , استلهم منها فكرة
(( مذكرات كتاب ))
, وفكرته حوار بين الكاتب والِكتاب الذي التقطه صاحبنا من على الرصيف , ويبدأ الكتاب في شكواه من شدة البرد بعد أن كان ينعم برغد العيش في مكتبات الملوك وكبار المثقفين في العالم , واليوم عندما هُزمت دولة الثقافة العربية , هُزم الِكتاب الثري , واحتل مكانه رعاية وعناية كتب رخيصة المعنى و المغزى والمضمون.
تلك الكتب التي ساهمت في انحراف الشباب وضياع القيم وتخلف الجيل ,
لقد قدّم صاحبنا شهادة على العصر بكل سلبياته من خلال (( مذكرات كتاب )) في بدعوة تحرير العقل العربي من الجهل والتخلف
وفجأة التقط كتاباً أزرق اللون يُسمى – دع القلق وابدأ الحياة- لمؤلف أمريكي يدعي
ديل كارينجي المولود في 24 نوفمبر 1888 والمتوفي في 1 نوفمبر 1955
ذلك الكتاب الذي كان نقطة التحول في حياة صاحبنا,ولم يدر أن القدر سوف يحوّل حياته بجنيه واحد فقط
لا غير واعتكف صاحبنا علي قراءة الكتاب ,وقد وجد فيه ضالته ليقهر القلق ويقضي عليه بطريقة علمية وتتلخص بطرح أربعة أسئلة فقط لحل أي مشكلة
السؤال الأول : ماهي المشكلة بالتحديد وأسبابها؟
السؤال الثاني : ماهي أسوأ الإحتمالات التي يمكن أن تحدث؟ وتهيئة النفس تقبلها والتعامل معها.
السؤال الثالث : كيف أستطيع أن أنقذ ما يُمكن إنقاذه؟ وبالتالي يمكن تحويل الخسارة إلى مكسب بعد تحضير النفس لتقبل
أي خسارة .
السؤال الرابع : متى ابدأ خطوات تنفيذ القرار ؟
بهذه الطريقة تعلم صاحبنا كيف يخطط للمستقبل وسرعان ما رفع قامته القصيرة بثقة واعتزاز لعله يرى الضفة الأخرى من المتوسط ولكن هذه المرة بتخطيط ودراسة الأمر الذي جعله مميزاً في رحلته لأوروبا من بعد دون باقي الشباب الذين يقبلون علي السفر دون رؤية أو منهج واضح
عاد ليطرح على نفسه أسئلة منهج ((كارنيجى )) قد كانت هناك دوافع دفينة في نفسه لتحقيق ذاته في عالم العلم والمعرفة ولاسيما وان الأمثلة الحية مازالت تراود خياله من تجربة ((طه حسين ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي)) وغيرهم من الذين نهلوا من معين الثقافة الفرنسية بأصول عربية متينة ارتوت من مياه النيل الخالد تمخض عنها تلقيحاً ثقافياً جديداً لحملة التنوير تمنى في نفسه أن يكون امتدادا لهذا الرهط المثقف
أمسك بقلمه الرصاص وبدأ يسجل الأسئلة الأربعة وإجابتها
سأل صاحبنا نفسه هل عزمت على السفر…؟
فأجاب نعم وإلى أين …؟
أجاب إلى عاصمة النور باريس.
سأل السؤال الثاني هل تجيد الفرنسية…؟
أجاب ولا كلمة …
.إذن فلابد من تعلم الفرنسية وأن يقصد مدرسة أو معهدا ليتعلم الفرنسية ويدرك أسرارها ومفاتنها ويشارك روادها ومحدثيها وأدبها فهل يتحقق حلمه أن يصبح قارئاً لفيكتور هوجو والفونس دوتيه أو باسكال أو غيرهم من حملة التنوير…؟
وعاد صاحبنا يطرح السؤال الثالث متى التحق بمدرسة تعليم الفرنسية …؟
فقال إن شاء الله غدا .
وفي صباح اليوم التالي استقل القطار ومع هزات عجلات القطار كان ينتقل من مدينة إلي أخرى من مدن أوروبا أما صفارة القطار فقد كانت بمثابة إشارة البدء في رحلته التي بدأت من شارع النبي دانيال في الإسكندرية حيث المركز الثقافي الفرنسي
في البدء شعر برهبة وهو يدخل المكان لأول مرة ولكنه استجمع قوته وسألته موظفة التسجيل
هل تتحدث الفرنسية ….؟
فهز رأسه بالنفي : لا.
فهو لم يسبق له العهد بالفرنسية من قبل لأنه لا يعتبر ما تعلّمه في المدارس الثانوية لغة فرنسية بل كان مزيجاً عجيباً من خلطة سرية تُعتبر من أسرار مدرسي الفرنسية بوزارة التربية والتعليم المصرية الأمر الذي جعله بعد ذلك ينتقد مناهج التعليم في مصر والدعوة إلى التغيير لمواكبة العصر ولاسيما أن اللغات هي الشريان الطبيعي لتواصل الحضارات .
نصحته الموظفة بالالتحاق بدورة لغة فرنسية سمعية وبصرية لمدة 3 أشهر, ولكن صاحبنا استمر لأكثر من عامين حتى اجتازاختبار الالتحاق بجامعة باريس لدراسة الأدب والتاريخ والحضارة الفرنسية لم يكن يعلم أن القدر سوف يجعله طالبا في جامعة السوربون العريقة
ومع المحاضرة الأولي بدأ صاحبنا يتعتع بالفرنسية في مشاهد كوميدية في جمع من طلبة وطالبات المير دي ديو أو الفرير أو السكريه كير وغيرها من المدارس الفرنسية , في وقت تربعت مسرحية مدرسة المشاغبين على أفئدة وعقول الطلبة وكان صاحبنا زعيماً مشاغباً طريفاً مؤدباً له حضور طاغي وكاريزما خاصة فيها تفاؤل وإصرار وبساطة وسريرة منبسطة, الأمر الذي لا يفوته أن يسجل كيف يؤثر الفن في الشعوب
أصبح صاحبنا- فاكهة المحاضرة – بهذا المشهد الكوميدي الناتج عن جهله الجم بقواعد نطق الفرنسية الذي يجعل الطلاب ينفجرون من الضحك عندما يتأهب بفتح فمه وفي تلك اللحظات قفزت فى ذهنه فكرة جهنمية ما هي ….؟
البقية في العدد القادم
تابعونا…..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: