شعر وحكايات

حكاية اللص “سعيد مهران” مع الكلاب

ولما الصحافة وصفته بالسفاح وهو من أسباب تأميمها

كتب/خطاب معوض خطاب

حكاية “اللص والكلاب” هي بالفعل حكاية غريبة وعجيبة، نعرفها جميعا من خلال الرواية والفيلم الشهير الذين حملا نفس الاسم، وهناك بعض الوقائع والأحداث الواقعية لم تذكرها الرواية ولم يتعرض لها الفيلم، ونحن هنا نميط اللثام عن بعض الأحداث الواقعية التي ربما تكون أكثر تشويقا عن الأحداث التي شاهدناها من خلال الشاشة.
و”سعيد مهران” بطل رواية وفيلم “اللص والكلاب” أو “محمود أمين سليمان”، هو في الواقع لص كاد أن يكون أسطورة، فهو في الحقيقة لص قام بسرقة فيلا السيدة أم كلثوم، بالإضافة إلى سرقته لفيلا أمير الشعراء أحمد شوقى، كما أنه سرق منزل المقدم عبدالقادر عيد، الذي كان مديرا لمكتب المشير عبدالحكيم عامر.

واللص محمود أمين سليمان في الواقع كان عضوا في الميليشيات اللبنانية أثناء إقامته بلبنان، وهناك قام بحراسة كل من رشيد كرامى وعبدالله اليافي رئيسي الحكومة اللبنانية، كما تم اتهامه بالسطو على قصر الرئيس اللبناني كميل شمعون.

وهو كان لصا متعلما ومثقفا وفي منتهى الذكاء والدهاء، ولم يكن لصا عاديا جاهلا أو غبيا، وطوال حياته لم يستخدم العنف أبدا في سرقاته التي قام بها، بل إنه لم يحمل مطواة أو سلاحا، فقد كانت كل عدته عبارة عن بطارية “كشاف” وعدد من المفكات، وكان يتسلل من خلال الأبواب والشبابيك بمنتهى الخفة، ولم يتم ضبطه أبدا في حالة تلبس، بل كانت كل قضاياه تقيد دوما ضد مجهول.
والطريف أنه كان يسرق الأغنياء فقط، ولم يثبت عليه أنه قام بسرقة واحد من الفقراء أبدا، فقد كان شبيها بأرسين لوبين، كما تم تلقيبه بروبين هود المصري، غير أنه لم يكن يوزع ما يسرقه على الفقراء مثل روبين هود، وإنما كان يحتفظ به لنفسه.

ومحمود أمين سليمان ولد في طرابلس بلبنان، ونشأ هناك حيث كان والده مصريا يقيم ويعمل بلبنان، وفي لبنان عرف محمود طريق السرقة، وتدرب مع العصابات، وأدمن الأفيون، واكتسب روح المغامرة، وعمل بميناء طرابلس، ثم انضم للميليشيات اللبنانية، وعمل في حراسة كل من رشيد كرامي وعبدالله اليافي رئيسي الحكومة اللبنانية.
وتنقل محمود أمين سليمان بين عدة أعمال، وانتهى به الأمر لاحتراف السرقة والسطو على قصور الأثرياء بلبنان، وفي أحد الأيام تم ضبطه وترحيله من لبنان إلى مصر بعد أن تم سجنه هناك 4 سنوات، لاتهامه بالسطو على قصر رئيس لبنان كميل شمعون وغيره، فعاد إلى مصر واستقر بمدينة الإسكندرية حيث سبقه إليها بقية أسرته، وهناك مارس هوايته في سرقة الأثرياء فقط ليس في الإسكندرية وحدها، بل كان يقوم بممارسة السطو على بيوت أثرياء القاهرة أيضا.

وكان يتخفى في شخصيات عديدة، وكان يدعي أنه صاحب أعمال متعددة، فمرة كان يقدم نفسه للناس على أنه واحد من كبار الأثرياء، أو من كبار التجار، أو كبار رجال الأعمال، أو صاحب مصانع وورش موبيليا، كما قدم نفسه أيضا للناس على أنه مدير وصاحب دار طباعة ودعاية ونشر اسمها “دار الفكر”، وكان يتخذ لهذه الدار مقرا فخما مؤثثا بأفخر الأثاث، وكانت لديه سكرتيرة ومدير مكتب ومستشار قانوني، وكان كالمعتاد يمارس هوايته في سرقة الأثرياء ولكن من خلف الستار.

وأراد يوما سرقة قصر المليونير المعروف في ذلك الوقت “سباهي”، وحين شعر به الموجودون بالقصر هرب، ولكن تم القبض عليه خارج القصر، وتمت محاكمته فحكم عليه بالسجن سنتين، ولكنه هرب من السجن، وتعرف بالمحامي بدرالدين أيوب، وصارا صديقين، وأصبح هذا المحامي صديقه ومحاميه الذي يتولى كل قضاياه، وانضم إليهما مهندس كيميائي كان صديقا لهذا المحامي، وأصبح الثلاثة لا يفترقون إلا نادرا، وكثرت سهراتهم التي كان دائما يتولى محمود أمين سليمان مسئولية الإنفاق عليها.

وتزوج محمود للمرة الثالثة بعد زيجتين انتهتا بالطلاق، وفجأة تم القبض عليه والتحقيق معه في عدد من القضايا المجهولة التي لم يكن أحد يعلم بها إلا محاميه وصديقه بدرالدين أيوب، فأيقن هو وقتها أن صديقه المحامي قد غدر به، خاصة بعدما جاءته أنباء عن زيارات زوجته المتعددة لمكتب المحامي، كما جاءته أخبار عن وجود علاقة بينهما، وبالفعل تتبع أخبارها حتى تأكد من خيانتها له مع المحامي، فقرر الهرب لينتقم ممن خانوه وأدخلوه السجن، وبالفعل هرب وقام بمطاردة من خانوه، واهتمت به الصحافة وقتها، و أطلقت عليه لقب السفاح، مع أنه لم يقتل أحدا إلا أحد البوابين، وكان هذا البواب قد أمسك به ولم يكن يقصد قتله، بل إنه ندم عندما علم بموته.

وقصة هذا اللص صاغها الأديب الكبير نجيب محفوظ في رواية “اللص والكلاب”، إلا أنه غير في أسماء وبعض أحداث وشخصيات الرواية، وقام المخرج كمال الشيخ بإخراج فيلم شهير مأخوذ عن هذه الرواية.

وفي الرواية والفيلم قام اللص بسرقة منزل النجمة المشهورة كوكب، وفي الحقيقة هو سرق “كوكب الشرق أم كلثوم” ، وفي الرواية والفيلم كان اللص يطارد زوجته الخائنة نبوية وصبيه عليش سدرة والصحفى رؤوف علوان صديقه وأستاذه الذي علمه ثم أدار له ظهره بعد ذلك، أما في الحقيقة فقد كان اللص محمود أمين سليمان يطارد زوجته “نوال” وصديقه المحامي “بدرالدين أيوب” ، وصديقه المهندس الكيميائي، وفي الرواية والفيلم طارده البوليس بمصاحبة الكلاب البوليسية في صحراء القلعة حيث تم قتله برصاص البوليس، بينما في الحقيقة تمت مطاردته بصحراء حلوان حيث وجد مقتولا، وقيل إنه قتل برصاصات البوليس وقيل أيضا إنه انتحر بإطلاق الرصاص على نفسه.

وهكذا فإن اللص محمود أمين سليمان قد صنعت منه الصحافة أسطورة وأطلقت عليه لقب السفاح، والعجيب أن نهاية الصحافة جاءت على يديه، حيث تم تأميم الصحف بعد أن نشرت جريدة الأخبار خبر مصرع السفاح وأسفله عنوان: “عبدالناصر في باكستان”، وقيل وقتها إن النشر بهذه الطريقة كان متعمدا، وهكذا كما كانت نهاية السفاح على يد الصحافة، فقد كانت نهاية السفاح سببا لتأميم الصحف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: