مقالات

“أكذوبة الحريات” فرنسا بين الماضي والحاضر

كتبت : أماني ياسين

أطل علينا الرئيس الفرنسي ماكرون مؤخراً بتصريحاتٍ صادمة تسببت في غضبٍ عارم بين جموع المسلمين خلال حفل تأبين المدرس الفرنسي” صامويل باتي ” بجامعة السوربون . حيث قال الرئيس الفرنسي : “لن نتخلي عن الرسوم والكاريكاتير وإن تقهقر البعض”، الأمر الذي اعتبره المسلمون تحدياً وتشجيعاً صريحاً لمعاداة الاسلام والاستمرار في الإساءة الى النبي محمد .

تناقض التصريحات :

ولكنها ليست المرة الأولى التي تتسبب فيها تصريحات الرئيس الفرنسي بإستياء المسلمين ، فهناك العديد من المواقف التي تثير التساؤل بشأن صدق مقولة “فرنسا بلد الحريات” ، فقد رفض ماكرون مؤخراً انتقاد مجلة “شارلي إيبدو” بعد إعادة نشر رسوماتها المسيئة للنبي محمد، واصفاً إياها ب”حرية تعبير”، في مقابل توبيخه للصحفي الفرنسي الذي قام بنشر تفاصيل ما دار بينه وبين محمد رعد رئيس الكتلة النيابية لحزب الله اللبناني ،رغم ان المعروف في العمل الصحفي لا يجب أن يلام صحفي لنشره خبراً مادام صحيحاً، مناقضاً بذلك تصريحاته عن حرية الصحافة حيث قال

” ليس من سلطة اي رئيس فرنسي التدخل في اختيار صحفي او إصدار حكم علي غرفة تحرير لأن فرنسا تتمتع بحرية الصحافة “

كما جاءت تصريحاته بشأن حرية التجديف أو إزدراء الدين مغايرة تماماً لمبدأ الحريات الذي يلوح به حيث قال “أنا هنا لحماية كل الحريات، يمكن في البلاد انتقاد الرئيس والمحافظين والتجديف” في حين انه لم يعبر عن رفضه لإساءة رمز المسلمين ورفض الرسومات المسيئة التي تعتبر تحريض علي الكراهية كنوع من حرية إبداء الرأي والتعبير في اضيق الحدود .

في الوقت ذاته قضت محكمة فرنسية بسجن طالبة فرنسية مسلمة لتعليقها علي بوست بالفيسبوك حول مقتل المدرس الفرنسي قائلة ” لا يستحق قطع رأسه بالطبع ، ولكنه يستحق الموت” ، وبرغم من حذف التعليق بعد أقل من ساعتين وتراجع الطالبة عن ارائها في المحكمة إلا ان المحكمة قضت بسجنها معتبرةً هذا البوست هو “تحريض على الكراهية ” ودفاع عن الارهاب ، وهو مالم تنتهجه سياسات فرنسا مع الرسوم المسيئة للنبي .

وفي الماضي القريب نتذكر الحُكم على الدبلوماسي والمفكر الفرنسي ذائع الصيت “روجيه جارودي ” بالسجن لأنه شكك فى إعداد مذابح إبادة النازيين لليهود، مع أنها معلومات تاريخية متغيرة كَثُر فيها الرأي والتأويل.

إنتفاضة العَلّم :

هناك واقعة شهيرة عام 2010 اثارت جدلاً واسعاً ، فقد تسببت صورة تم نشرها بإحدى الصحف لشخص يمسح مؤخرته بالعلم الفرنسي بعد حصولها على جائزة أفضل صورة ضمن فئة “غير صحيح سياسياً” في مسابقة نيس ، بموجةٍ من الإستياء والغضب بين الأوساط الشعبية والسياسية ومنظمات المحاربين القدامي .

و دعا المتحدث بإسم وزارة العدل آنذاك “ميشال اليوت ماري” إلى اتخاذ الإجراءات القانونية ضد هذا الفعل المشين والغير مقبول وتعديل القانون الفرنسي ليكون رادعاً لمثل هذه الافعال والذي ينص على

“إذا أهان شخص علناً النشيد الوطني أو العلم الفرنسي، خلال حدث تنظمه السلطات العامة، يعاقب بغرامة قدرها 7500 يورو، وبالسجن لمدة ستة أشهر إذا إرتكبها وسط تجمعات”

الأمر الذي أطلقت عليه الصحافة الحرة في فرنسا هذا الوقت ” إنتفاضة العلم” ، وهو علم دولة واحدة.. ليس رمزاً لأمة إسلامية تزيد عن المليار .

حركة السترات الصفراء:

في نوفمبر عام 2018 ظهرت حركة احتجاجية فرنسية تدعو لتخفيض قيمةِ الضرائب على الوقود، ورفع الحد الأدنى للأجور، بل وتطوّرت الأمور لتصل إلى حدّ المناداة بإستقالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

فقد خرج ما يقرب من 300 الف مواطناً فرنسياً مرتدين ستراتٍ صفراء والتي ترمز الى طبقة العمال والموظفين ، وبما أن القانون الفرنسي يوجب على سائقي السيارات ارتداء السترات الصفراء في حالة الطوارئ فإختار دعاة الاحتجاجات هذه السترات لما تعانيه فرنسا من حالة طوارئ اقتصادية.

ومن غير المتوقع فلم تكتفِ السلطة الفرنسية بتغيير القانون لمنع التظاهر وإخماد ثورة حركة السترات الصفراء، بل تجاهلت القانون الذي يضمن لهم الأمن والحريات، ومارست ضدهم العنف الجسدي والسياسي والإعلامي.

وقد كان هذا أول إختبارٍ حقيقي لفرنسا في الديمقراطية وترسيخ مبادئ الحرية التي طالما نادت بها، وبدا انها فشلت في هذا الإختبار، فقد دعت هيئة الأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق بشأن الاستخدام المفرط للقوة ضد محتجي الحركة والتي أسفرت عن نحو 230 جريحا في صفوف المحتجين .

وقد صرح “جيروم رودريغيس” أيقونة الحركة الذي فقد عينه جراء إعتداء الشرطة عليه قائلاً “إنهم يهاجموننا بأسلحة حرب، حرب وفرنسا.. لم أكن أظن في حياتي أنني سأجمع بين هاتين الكلمتين في فرنسا أين هو البلد الذي يرمي شعبه بالأسلحة في أيامنا هذه».

الإستعمار الفرنسي والهوية العربية:

فبينما كانت باريس ترفع شعارات الحرية والمساواة والعدالة كانت حكوماتها تستميت في إزالة هوية الجزائر الإسلامية العربية والقضاء علي الأمازيغ أو ” البربر” وهو المسمي الذي أطلقه ماكرون علي مساعدي قاتل المدرس الفرنسي إشارةً منه إلي مدي الهمجية والجهل والإرهاب ،. فقد تمت محاولة إبادة الجزائر ثقافياً والقضاء علي هويتها العربية وإحلال الفرنسية بدلاً منها وأيضاً اضطهاد الرموز الثقافية العربية للمهاجرين المغاربة في فرنسا.

وبرغم التضحيات التي قدمها الجزائريون والمغاربة في حروبهم مع فرنسا إلا انهم كانو مسلوبي الحقوق ولا يعاملون مثلهم مثل الفرنسي الأصل بل أنهم ليسو لهم الحق في أن يطمحو ان يكونو مواطنين من الدرجة الثانية .

الفرق بين التطرف الديني والدفاع عن الرسول :

فهناك فرق بين التطرف الديني والدفاع عن النبي محمد، فالدين الإسلامي هو دين الوسطية والإعتدال الذي ينبذ العنف والتطرف بكل أشكاله وأطيافه فقد ورد عن النبي “يا أيها الناس إياكم والغلوَّ في الدين، فإنه أهلك من قبلَكم ”

وفي القرار رقم 154 الصادر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وردت توصيات بخصوص موقف الإسلام الصريح من ظواهر التطرف والإرهاب، من بينها أن العمل الإرهابي سلوك غير مشروع بنص الدين، وهو يندرج تحت صنف جريمة.

فلا يجوز الخلط بين من قام مدافعاً عن دينه ونبيه محمد الذي وصفه الله في كتابه ” وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين ” وبين من قتل وسفك الدماء بإسم الدين و أضّر الدين بتطّرفه ظناً منه انه ينصر نبيّه ويوقّره ، وهو ما لا يقبله جموع المسلمين حول العالم لأنه ليس من مبادئ الإسلام في شئ، فهل كل من سيهاجم ديناً أو نبياً سيُقتل !!

” فآصفح عنهم وقل سلام”

إقرأ أيضا الإساءة فرصة عظيمة

الرجال أكثر عاطفة بينما المرأة عقلانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: