مقالات

أم تخلع أسنان طفلها وتدعو من قلبها أن يتألم ابنها

كتب/خطاب معوض خطاب

لعل أكثرنا يعتبر من لا يشعرون بالآلام أناسا خارقين، ولكن في الحقيقة يوجد أناس يتمنون بل ويدعون الله في صلاتهم أن يشعر أبناؤهم يوما بالآلام وأن يتوجعون ويبكون.

 تواصلت معي إحدى الصديقات وحكت لي مأساة ابنها الصغير معاذ الذي لم يشعر بالألم ولو يوما واحدا منذ ولادته، وقالت أم معاذ: “إننا على استعداد لدفع كل ما نملك لكي يشعر ابننا بالألم، وندعو الله من قلوبنا أن يتألم كما يتألم الآخرون”.

فهل لك أن تتخيل طفلا صغيرا يغلق الباب على أصابعه فيصاب بكسر وينزف بينما ابتسامته لا تفارق شفتيه!، أو يصطدم بجدار فيسيل الدم من وجهه دون أن يشعر بأي ألم، وهذا هو ما يعاني منه ابني معاذ الذي لم يكمل الرابعة من عمره، وهو ما يسمى بالحالة المرضية أو متلازمة “عدم الإحساس بالألم وعدم التعرق”، والمسمى بالإنجليزية “CIPA” وهي اختصار لعبارة:

“Conganital Insensitivity to Pain with Anhidrosis”

وهذه الحالة تجعل الأطفال المصابين بها لا يشعرون بأي ألم، ولا بدرجة حرارة الجو أو حرارة الجسد مهما كانت مرتفعة، وهو ما يجعل المصابين بها عرضة للكثير من مخاطر الحوادث والإصابات والالتهابات، وتصل درجة حرارتهم في الصيف إلى الأربعين لأنهم لا يتعرقون، والمؤسف أن هذه المتلازمة تعتبر داء لا علاج له والمصابون بها أقلية على مستوى العالم كله، حيث أن عدد حالات الإصابة به في الولايات المتحدة مثلا لا يصل عددهم إلى 50 شخصا.

ومعاذ الطفل الجميل البريء ظن أبواه بعد ولادته أنهما قد أنجبا أسعد أطفال العالم، فحينما تراه تجده هادئا بشكل غير معهود في أمثاله من الأطفال، حيث أنه لا يترك هدوءه أبدا أو يبكي رغم ما يحدث له أو يتعرض له من إصابات، ومهما منع عنه الطعام والشراب، بل وينام نوما طويلا دون أن تبدو عليه أي من علامات الضيق أو عدم الراحة.

وبينما يشعر عامة الأطفال بالتعب والإرهاق عندما يلعبون كثيراً، فإن معاذ لا يكل ولا يمل ولا يتعب من كثرة اللعب، وكم من مرة عض فيها لسانه وأتلف جزءاً منه دون أن يشعر بالألم، وكم من مرة اصطدم بالأبواب والجدران فتكسر عدداً من أسنانه الأمامية، وكم من مرة داس بقدميه على زجاج وأصيب بجروح وهي لا يزال يلعب ولا يدري بما أصابه.

والمؤسف له أن معاذ وأمثاله إذا تعرضوا للإصابة أو الكسر لا يبكون، ويتم التعرف على وجود الكسور من خلال ورم في المكان المكسور بعد مرور فترة من الوقت قد تصل إلى 24 ساعة، وهناك أطفال قد يصل بهم الأمر إلى وضع أصابعهم في أعينهم وجرحها وربما فقدان أبصارهم.

بالإضافة إلى أن عدم الإحساس بالألم قد يتسبب في تلف الأربطة والمفاصل، حيث إن الأطفال المصابين بهذا المرض يحملون مفاصلهم وركبهم وكواحلهم ما لا تطيق من الأوزان والأثقال، وهناك العديد من المرضى لا يقدرون على المشي نتيجة عدم إحساسهم بالألم.

وتقول أم معاذ: “كل أم تكون سعيدة بنمو أسنان أطفالها الصغار، وتزداد فرحتها مع كل سن تنمو، أما أنا فيصيبني الحزن كلما رأيت سنا ينمو لابني معاذ، وأسارع به إلى الطبيب ليخلع له هذه السن حتى لا يؤذي بها نفسه دون أن يشعر، فالأطفال أمثال معاذ لا يدركون ما يفعلون”.

وتقول: “إن لم يكن الأهل منتبهين لهم فقد يفوت الأوان ويفقدونهم، حيث يحتاجون إلى رعاية فائقة وإمكانات عالية قد لا يستطيع الأهل تحملها وحدهم، وكذلك يعانى هؤلاء الأطفال من الإهمال في بلادنا العربية لقلة الخبرة مع مثل هذه الحالات، وهم بذلك يحرمون من كثير من الرعاية التي يستحقونها، وأكثر هذه الحالات تموت ما بين سن الثامنة حتى اثني عشرة عاما”.

وتقول أم معاذ إن ابنها وأمثاله رغم عدم شعورهم بالألم إلا أنهم ذوو مشاعر مرهفة للغاية، فمعاذ مثلا رغم مرضه إلا أنه قد يبكي بشدة عندما تتألم مشاعره، أو يأخذ أحد لعبته من بين يديه، وهو يشعر بالقبلة والدغدغة والمعانقة ويعرف معناها وقيمتها، وهو بالإضافة إلى ذلك كله صاحب أجمل ضحكة في العالم.

والمشكلة الحقيقية التي تواجه أم معاذ هي حرصها على الموازنة بين خوفها على طفلها وحمايته من ناحية، وبين ترك مساحة له من الحرية ليعيش حياته كطفل عادي من ناحية أخرى، وتقول أم معاذ إنها دوما تتذكر أمها وهي تسألها هل تحتاج إلى أي شيء؟ وتتذكر ردها عليها: “فقط ادعيلي أنام”، وتتنهد أم معاذ قائلة: ” لقد أصبح مجرد وضع رأسي على المخدة والنوم هو نعمة كبرى أطلبها من الله”.

وتختم أم معاذ كلامها معي قائلة: “ما زلت أحيا على الأمل، فأنا أعيش على أمل أن يشفي الله ابني معاذ وأن أراه طبيعيا مثل بقية الأطفال الذين يصابون ويتألمون، وحتى إن كان قد فات الأوان فإنني أحيا على أمل أن تكون حالة معاذ وأمثاله من المصابين بهذا المرض النادر ضمن البحوث العالمية التي تخدم الإنسانية، ويكونوا سببا في شفاء غيرهم حتى وإن لم يكن ابننا منهم، فإن لم يكتب لي الفرح بشفاء ابني معاذ، فإنني أعيش على أمل أن ير جميع الأطفال المصابين النور ويتم شفاؤهم جميعا من هذه المتلازمة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: