مقالات

البعض قد يتعاطف مع القاتل !

كتبت : أماني ياسين

منذ ايام قليلة استيقظ الشارع المصري علي جريمة بشعة وقعت خارج أسوار جامعة المنصورة، اقبل فيها طالب بالفرقة الثالثة بكلية الآداب على قتل زميلته نيرة بعد توجيه عدة طعنات لها أمام المارة بشكلٍ وحشي وصادم مما أثار الذعر لدي الكثير خاصةً بعد تداول مقطع فيديو علي مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فيه القاتل وهو يقوم بتسديد الطعنات الي ضحيته وسط شارع مكتظ بالمارة لم يتدخل منهم احد الا القليل بينما اكتفي الباقون بالمشاهدة والتصوير .

وانقسمت الآراء حول الواقعة بين متعاطف مع الضحية وآخر متعاطف مع القاتل خاصةً بعد ظهوره مؤخراً في اولي جلسات محاكمته هزيلاً وغير متزن وتظهر عليه علامات الانهاك وعدد من الكدمات المتفرقة.

وقد زاد التعاطف حينما بدأ حديثه بالخوض في علاقته بالضحية وتحررها الزائد من وجهة نظره ومشاكلها الاسرية المتكررة وأنهي حديثه بإيقاع اللوم علي والديها لفشلهم في تربيتها علي حد قوله .

والسؤال هنا .. كيف يشعر أي إنسان علي وجه الأرض بالتعاطف مع قاتل !!

ولكن الإجابة ليست سهلة كما تبدو ، فهي ليست تجرد من انسانية او انعدام ضمائر او كل هذه المصطلحات التي يتداولها الناس فيما بينهم كمحاولة لطمأنة العالم علي احتفاظه بالمشاعر الطيبة تجاه المخلوقات ولكنها تتضمن العديد من الدلائل التي أظهرت هذا الصدع الخفي في نفوس البشر .

اتساق الأفكار :

في عام ١٩٧٣ سطا مجموعة من اللصوص علي أحد البنوك في مدينة ستوكهولم بدولة السويد واتخذوا بعضاً من موظفي البنك رهائن لمدة ستة أيام، وخلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفياً مع الجناة الذين قاموا بإذلالهم وشل حركتهم لمدة ساعات بل قام الرهائن بالدفاع عنهم ايضاً بعد إطلاق سراحهم. و أُطلق على هذه الحالة اسم «متلازمة ستوكهولم»

وتقوم متلازمة ستوكهولوم علي فرضية أن التضامن مع المعتدي هو إحدى الطرق للدفاع عن الذات فعندما تؤمن بنفس أفكار وقيم المعتدِي حينها لن تعتبر افكاره وتصرفاته تمثل تهديداً عليك بل تراه متسقاً مع مفاهيمك ويكسب تعاطفك الذي يجعلك تبحث عن تبريرات داخلية مصدرها ” أنت” وليس المعتدي .

فالعنف ضد المرآة مثلاً في مجتمعاتنا لا يُعد عنفاً عند البعض حينما يتم الخوض في اعراض الضحايا ، فقد يقتل رجل زوجته او اخته او زميلته بوحشية وتشفي بدافع الغيرة او لأنه يشك في سلوكياتها ، ويكسب تعاطف البعض ، في حين أنها جريمة وهو يعلم بذلك والمتعاطف معه يعلم بذلك ايضاً ، ولكن هنا يتسق المُتلقّي مع مفاهيم القاتل وتحوز افكاره علي التوافق الكامل مع افكاره فيكسب تعاطفه وربما إن وُضع في مكانه يوماً ما سيفعل نفس فعلته بدون أن يشعر .

وبحسب دراسة لويس شليزنج استاذ علم النفس بجامعة جون جاي أنه قد ينجذب البعض إلي القاتل الرجل بسبب هيمنته الظاهرة باعتبارها دلالة علي رجولته وقوته . ناهيك عن أن العديد من القتلة المتسلسلين هم متلاعبون بارعون ويمكن أن يظهروا بشكل ساحر وغامض مما يجذب انتباه البعض ممن يجدون أن حياتهم مملة ورتيبة ، فعلي سبيل المثال ” تيد بندي” القاتل المتسلسل المعروف والمسؤول عن قتل العشرات من الضحايا تلقي العديد من رسائل الدعم في السجن بينهم اشخاص من أقارب الضحايا .

فاقد الشيء:

ربما مقولة ” فاقد الشيء لا يعطيه” هي جملة مستساغه لدي الجميع بين مؤيد ومعارض ، فا فاقد الشيء إما ان يعطيه بسخاء لأنه ذاق مرارة الحرمان منه وإما تتمكن منه الأنانية فلا يعطيه بل ويتمني ان يذوق الاخرين مرارة ما حُرم منه ،

عند تحليل العديد من جرائم القتل تجد دائماً عدد من الناس يبلغ بهم التعاطف مع القاتل إلي حد ” كره الضحية” وهو مصطلح صادم بعض الشيء ولكنه بمعني ابسط في مجتمعاتنا قد يكون اشبه بالحقد الناتج عن فقدان هذا الشخص لشيء امتلكته الضحية.

فالرجل الناجح في عمله او الثري عند تعرضه للقتل تجد البعض يتعاطف مع القاتل ويبرر له القتل في صورة العوز والحاجة ، والمرآه التي خرجت من المنزل للعمل و تمردت علي التقاليد او العنف الاسري ، يتبادل عليها البعض بالسب والقذف في شرفها وسلوكها ويكون العدد الاكبر لمنتقديها هم من النساء ممن تمنو ان يحققن هذا ولم يتمكنوا .

يقول الدكتور أمجد العجرودي استشاري الطب النفسي بالمجلس الإقليمي للطب النفسي  إن شعور الحقد له تفسيرات طبية عقلية وهي عبارة عن فكرة معرفية وشعور بالغضب الشديد الذى ينتاب الإنسان نتيجة امتلاك الغير شيئاً ما لا يمتلكه هو .

وعلى الرغم من أن مشاعر الغضب قد تكون طبيعية عند البعض في حياتهم اليومية ولكن من الصعب رؤية أي فائدة من توجيه مشاعر الغضب نحو سوء الحظ، وهنا يتباين الناس بشدة فيما يتوقعون وما يظنون أنهم يستحقونه من العالم، فمن وجهة نظر هؤلاء الأشخاص الذين لديهم قدرٌ أكبر من الشعور بالاستحقاق، فإن الحظ السيئ المتمثل في عدم حصولهم على ما يريدون، قد يجعلهم يشعرون بالظلم ويسوِّغ لهم الغضب، كما لو أن الكون يعاديهم فيبررون الخطأ و يتلاشون الصواب.

النرجسية الخفية :

النرجسية هي مصطلح عام يشمل عدة سمات شخصية ، منها : تغليب المصلحة الذاتية , و الإحساس بالاستحقاق و الغرور المتعالي و عدم التعاطف.

اما النرجسية الخفية فهي الشق الاخر من النرجسية التي تتمثل في الشخص الانطوائي النرجسي الذي يضع معايير اخلاقية لنفسه علي حسب رؤيته للامور بما يتوافق مع مصلحته وافكاره .

ومن اهم السمات النفسية للشخص النرجسي العلني والخفي هو ” عدم التعاطف مطلقاً ” فتعاطفه لنفسه فقط لأنه يري نفسه مظلوماً من المجتمع والانسانية ولأنه لا يتقبل النقد فهو دائماً يصوغ افكاره في شكل حقائق وتجارب مكتسبة لم يخوضها ولم يعرف عنها شئ.

فإذا رأيت نرجسي يتعاطف مع قاتل فهو ليس تعاطف مع “شخص “بل هو يأخذ الطريق المخالف للصواب ليجعل نفسه محل جدل ، وليثبت امام البعض نظريته انه الافضل لأنه صاحب فكر معارض .

واخيراً .. القتل قتل ، القتل فعل وحشي لا يُبرر ولا يتم التعاطف معه أياً كانت الدوافع والماورائيات .. تعاطفك مع قاتل هو عَرض لمرض نفسي خطير متأصل في شخصك يستحق ان تسعي لعلاجه وليس للتباهي بالإختلاف او الاعتزاز به ، هي رؤيتك الخاصة ورأيك المكفول لنفسك فقط وليس لفرضه علي الاخرين .

سلاماً و سكينة لروح نيرة اشرف ولكل نساء العالم المحاربات لأفكار التطرف والعنف ، ولكل روح سُلبت غدراً اينما كانت..

اقرأ المزيد النرجسية سمٌ قاتل

الجانب الأسود من التعاطف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: