شعر وحكايات

خلف كواليس سورية ..بقلم : جواهر صادق إدريس

قصة قصيرة تختصر سنين طويلة وتصف مشهدا مر على مسارح عُمرنا .. مُصورَة بكاميرة قلمي

“خلف كواليس سورية”

لمحة من بعيد أرى بها طفلة بيضاء تبلغ من العُمر أجلاً تمزج بيديها البريئتين طينا مكونا من تراب قديم قِدمُ الحُب ، وماء يفسر صفاء القلوب..

لاحت على محياها ابتسامة الموناليزا، التي تميزت ببسمةٍ صاخبة تحمل بين طياتها سوادٌا داجنا،

اقتربت منها بصحبة كاميرتي وكاد السرور يفارقني لولا ذلك الذي ابصرته بها ، وجدتها تسلم يديها للهواء وجسدها يتماوج فرحاً على ترانيم السلام، وتتنقل كَطير أفرج عنه حديثاً، وعندها اعتلتني الغبطة واعتصمت الهمم وتابعت مسيري نحوها،

كأنها امتلكت حينذاك عُمراً آخر سُطر لها بيد أهلها..

ًها هي تحررت أمست أجمل أشياء الكون بياسمينها  المُعبق على خُصل شعرها، وظهرت أكثر أمانا وصفاء،

ركضت مسرعة نحو أهلها تنقل لهم غبطتها وتنثر عليهم رائحتها التي تبعث الحُب والسلام،

لم استطع اللحاق بها لشدة سرعتها التي اتجهت بها ، لكني انا والعالم بأسره كنا نسمع صخب قلوبهم التي باتت تتراقص على اوتار كمنجة يعزف لهم أعذب الحان الحُرية..

استلقيت أرضاَ أخد قسطاً من الراحة دام سِنين مِدادا ولم أشعر بمضيهم بعمري،

أنا كنتُ أعلم بشدة أن الأيام حين تعتليها السعادة ،ترتدي سرعة الضوء وتمر بنا على أسرع أجلٍ ، لذلك مضت من حياتي العديد من السنين كنت أنصت بها لألحان الحرية واستمتع باستنشاق الياسمين ،

حيث أن قلبي أمتزج بكل شيء في ذلك المكان وتعلقت بهذه الأرض بشدة ً بسبب كُثرِة عطائها،

عند سنةٍ ما عندما توقفت تلك الحفلُة المُبهجة وانقلبت تلك الألحان

استفقت على هذا الانقلاب البائس

وجدت ألوان الحياة قد غدت بلا حياة ،نهضتُ مُحاولة استدراك ما حصل وجدت أمامي إنسانة بهيئة هيكل أوشك زمانها يكون مُهترأ بانت بها ملامح طِفلتي سوريا التي بدأت مشهدي السعيد بها ثم أضعتها وانتشيت مُسكر بفتانتها

لك أية ملامح كانت تلك؟!

الكثير من الدماء

الكثير من الرماد يخالط غيوم عينيها الممتزجتين بدموع أطفال العالم اجمع، وصرخات أمهات لا تعد،

قدماها تهتز من الوهن وكأنهم رعدٌ في الواحدة ليلاً، وقد بدت صلعاء الرأس ، وكأن الياسمين الذي ارتبط بشعرها في بدايتها سُحِب بشدة حتى أنه خلف مكانهُ حفرة صغيرة تملأ رأسها بدلا من ذلك،

خاطبتها من أنتِ؟؟!

ما الذي أحال بكِ إلى هذه اللوحة الكارثية التعيسة؟،

أين انتِ؟

وكم شخصٍا تحملين بين ثنايا لوحتك هذه؟ !

انتابني شعور بأنني أحدث نفسي فلا أحد يجيب ولا أنا نفسي أفهم شيئا

حتى امسكتْ تلك العجوز المنهكة بيدي المشحوذة وهمست بأذني أنا سوريا

رضخت لها ورحت انساق حيثما جرت بي، كنت على أمل أن اتعثر بطريق أبيض، لكن كل ما كان حولي يخنتم بصوت أصدع يفتك برأسي كقنابل مُميتة

لن أصف لكم شعور الحيرة من كل هذا الذي رأيته مذ أن استيقظت لأنني سأظلمه حين أصفه بكلام..

استمر السير

ودامت رحلتنا حوالي تسعة سنين، وفي كل سنة كنا نمتطي قطارا مختلفا عن الآخر وكل واحد منهم كان أقبح وأشد تعذيبا من الآخر، رأينا من خلال المحطات الكثيرة التي اصبحنا نُزلاء بها، أُناسٍ لم يتسع الخيال يوماً لرسمهم بمثل هذه الأماكن والصفات..

والآن سأحدثكم عن دهشةٍ راودتني في هذه اللحظة كيف بقيت بنا الحياة بعد موت كل الوانها ؟

وأي قوةٍ هذه التي امتلكتنا؟!

والسؤال مازال مُعلق لعلماء الأرض حتى يُخبرونا!

«وكل هذا حدث معي خلف الكواليس»

إنني نسيت الكاميرا التي كنت أسجل بها قبل سكرتي بسلام وسعادة سوريا

تلك الطفلة التي رأيتها منذ زمن بعيد تتراقص حُرة قريرة، وفقدتها بوحشةٍ قارصة

نَسيتُها ونستني بذلك

الزمن الجميل..

لكني سأجلب واحدة أخرى لكي أتابع تصوير مشهدي الجميل الذي بدأته

فأملي مازال حاضرٌا بأننا ولربما سنجد يوماً ذلك الطريق الذي أضعناه وأضاعنا ..

وسأستمر بصحبة هذه العجوز البائسة لأن بين خلايا تجاعيدها التعيسة يوجد أملٍ قريب ..

والإرادة تصنع المستحيل

فربما بإصرارنا على وجود أملٍ بنا لربما يتحقق ما نريد …

كتابة وتأليف : جواهر صادق إدريس

اقرأ المزيد

أولى الحكايا وأبهاها “حكاية صبيَّة” بقلم : بسمة عبيد

قصة قصيرة” رافضة الفكرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: