شعر وحكاياتعام

خبر يذاع بعد قليل.. غدا ثورة

خبر يذاع بعد قليل.. غدا ثورة

قصة قصيرة
          د .حمد حجى  تونس

…………………………………..1
بعد الظهر بالمكان ذاته بشارع الثورة.. المطل على وزارة الداخلية التونسية.. تنغلق كل الأبواب.. باب دار الصحفي .. باب الصيدلية.. باب مكتبة الكتاب.. وحتى باب الحانة .. وباب جامع الزرارعية .. باب الكنيسة ..باب المقاهى السياحية.. ويصدق الأمر بمقهى دينار.. لكن اثنان لا يغلقان باب الحمام للاغتسال وباب الله للتوبة..
كأنما تلك المسيرة ما تمضي الا لتغلق بابا وما تهدف الا لتفتح بابا.. تمضي واثقة ظلت تضبط خطواتها على موسيقى الأصوات الهادرة.. وكما نزعت عنها الخوف والرهبة والخنوع.. تتقدم في كتلٍ بشرية زاحفة نحو تلك القلعة المنيعة، وزارة الداخلية كي تحاصرها، ثم تفتحها تنزع عنها هيبتها، ملوحة حينا، متلاطمة كالموج حينا..
وفيما كانت فرق التدخل والوحدات المختصة تتأهب للهجوم على الجماهير المتظاهرة والحشود القادمة.. نطت امرأة من صفها.. احدى المدججات بالسلاح.. وفتحت النار على زملائها من الشرطة .. !
كادت الجموع ان تتقدم..غير أنّ الرؤية قد احتجبت مع اختراق القنابل المسيلة للدموع للمشهدين هناك وهنا.. وتفرقت العصي والهراوات فوق ظهور المتظاهرين وتوالت الركلات على من كان واقفا حتى سقط.. وأدمعت عينا من كان ساقطا.. ليفرَّ..
وتحولت تلك الساحات الى ما يشبه الاضطراب والفوضى ..
وفي غمرة الهرب والركض صعد كثيرون السلالم ولم أقو على الصعود جراء الركلات بمؤخرتي.. 
وبركن ركين على باب شقة، اختبأت عن أعين الحراس واحترست من أعوان الشرطة الراكضين أمام بوابات العمارات..
ووجدتني محاصرة في مدخل احد البنايات مع جمع من الفارين لاحقتهم أحذية وهراوات تسد على كل هارب منافذ الفرار وسبل النجاة.

………………………………………………2

بينما كان اعوان الشرطة يهمون بمداهمة العمارات إذ بأحد الأبواب ينفتح وتمتدُّ إلى نفر منَّا أياد وجسوم عارية .. تجذبنا الى داخل بهو عالٍ به بخار وماء وسطول وجلبة وضوضاء .. كلهنَّ نساء بصدور متدلية .. تيقنت .. نحن بحمام النساء.. 
– ادخلن بسرعة، لا تخفن، حافظن على الهدوء.. لن نسلمكنَّ للشرطة..
نترصَّد الباب بين الحين والحين.. ونتسمع لتراكض الأقدام الغليظة والسقوط والتدحرج والسباب واللعان والشتائم والصراخ والأنات .. ونرتعد .
وبسرعة بادرتنا المسؤولة بالحمام ان انزعوا ثيابكم بالسلال .. وادخلوا ببيوت الحرارة ..
نسيت ان أذكر أن 
الحمامات العامة صباحا روادها الرجال .. وبعد الظهيرة تتقافز إليها النسوة .. منهن الحبلى .. ومنهن الراجية ولدا .. ومنهن الطامعة بليلة حمراء مع زوجها.. 
النساء المتحممات هنا.. يأتين ويضعن أثوابهن حتى الداخلية بسلال خاصة فلا تحدث سرقات ولا مناوشات .. واكثر النسوة لا يكلفن انفسهن عناء فحص السلال بعد الاستحمام خيفة اختفاء للملابس.. 
بل وأكثر لما يعدن تسلم الموظفة الثياب مكوية مغسولة نظيفة ناصعة البياض..
وحتى السراويل المثقوبة والفساتين الممزقة يقع رتقها وخياطتها.. 
المشكل الوحيد بحمامات بلدتنا.. هنَّ موظفات البطاقات .. 
لما تضع ثيابك بالسلة .. تضع الموظفة بطاقة مع الأثواب وتمدك بأخرى بها رقم التسلسل ذاته..
وأين يمكن للمستحم العاري أن يضع البطاقة ؟
طبعا ليست له جيوب 
كل ما لدى المرأة بطن وساقان .. يا لهذا الغباء.. 
لا يمكن ربط البطاقة بالضفيرة ..
فكرتُ مع ذلك الرعب من التظاهر أين أضع البطاقة .. كي لا افقدها حين الاستحمام . ؟
رفعت ثديي الأيسر و بخيط ربطت البطاقة تحته .. اعرف ان الامر غير مريح لكن ضمنت البطاقة فوق القلب النابض..
وطفقت أبحث عن السطول لتعبئة الماء كيف للمرء ان يغتسل للثورة .. 
وبدأت مهمة البحث عن سطل اغرف به الماء وادلك جسدي ..
امرأة هناك تستخدم ثلاثة سطول 
تضع رجليها في واحد وتصب الماء بالثاني وتسند يدها بالثالث كي لا يأخذه أحد..
حاولت ان اجذب الثالث حين كانت عيناها بالصابون ورغوة الغاسول .. لكن لم تتركه ينفلت ..
اثناء الثورة الكل يرغب في الامتلاك حتى سطل الحمام ..
………………………………………3

– الليلة حظر التجوال .. حظر التجوال.. !
وضجت النسوة وتدافعن الى باب الموظفة كل يمد بطاقته ويتسلم سلة أثوابه.. 
دون أن التفَّ بمناشف الحمام طبعا قدمت الى الموظفة .. بادرتني :
– هاتي البطاقة.. أو تأخري خذي دورك ..!
بحثت عن البطاقة .. لابد فقدتها حملها سيل الماء معه ..
رفعت صدري .. 
– لا نقبل بالخيط اي مستحم يمكنه ان يقدم خيطا ليتسلم سلة ملابسه.. !!!
بادرتني الموظفة ساخرة.
– انتظري حتى ينهي النساء اغتسالهن ويأخذن سلالهن والباقية بلا شك بها أثوابك …
يا للمشكل .. الليلة حظر التجوال .. قلت..
وحين أوشكت كل النساء على المغادرة والانصراف، لمحت امرأة تلبس معطفي وتصفق باب الخروج بوجهي .. ويبتلعها السلم.. وفزعت وخشيت ان اتبعها عارية..
التفتت إلى الموظفة بالحمام ..
وحيدة لم أجد بالسلة غير لباس شرطية.. معطفها، رباط صدرها، قبعتها.. حزامها ..
قمطر المسدس.. 
ظللت أردد .. (قد هربنا من الرعد لنسقط في البرق).. كيف سأمر؟ أبألبسة الشرطة..؟
مسكت علم البلاد المرفوع فوق البناية التففت جيدا حتى غمرتني رعشة كالعشق كالجنون ..
وأنا أردد: ارحلْ .. ارحلْ.. الرئيس غادر البلاد ..الليلة حظر التجوال
سر هام يذاع بعد قليل.

مدير قسم الأدب و الشعر
علا السنجري

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock