عاممقالات

عشاق الشتاء

عشاق الشتاء
بقلم / صفاء القاضي

الشتاء مجنون , فصل ذو شجون , اتفق على عشقه العشاق , وتفاني في حبه المحبون .
عشاق الشتاء في كل الأنحاء يلتقون علي حب أيام وليالي الصقيع التي يغلفها المطر بأنشودة عشق تتهادى فتطرق الأسماع والقلوب .
وللشتاء عشاق ينتظرونه بشوق حار يكفي لتدفئة لياليه الباردة , وتزين صباحاته قطرات الندى يتناثر كاللؤلؤ على أوراق الزهور .

الشتاء هو إشراقة الدنيا رغم مغيب الشمس , ودفء القلوب رغم صقيع الطقس .

الشتاء هو الخصوبة والعطاء وامتزاج الأشواق بالأنواء 
قد تغضب الأجواء لكنه دوما وأبدا يظل فصلا للنقاء 
هام به العشاق لأنه يدخلنا إلى عمق قلوبنا كما يدخلنا إلى عمق بيوتنا نبحث الدفء ونستمتع بالمكوث الطويل 
وانتظار لحظات الدفء الممنوحة في الليالي القارصة 
وقد تقتنص مشروبا يدفئك وقد تغني لقهوتك وقد تمتزج المشاعر والأشواق والحنين لتمنحك دفئا يلهب المشاعر 
وينتصر على برد الشتاء 

وكل شئ يبدو جميلا في الشتاء المأكل والمشرب والتنزه والصباح والمساء , يبحث الناس فيه عن أطعمة خاصة تمنحهم السعرات الحرارية التي تعطيهم الدفء الداخلي , وتحلو له مشروبات خاصة لا تحلو لغيره
ليله الطويل يجود بالمشاعر فلا يضن علي المحبين بشئ من الحنين 

وما أجمل أبيات أبي تمام يصف الشتاء


نزلت مقدمة المصيف حميــــدةَ * ويـــد الــشــتــاء جديدة لا تنكــرُ.
لولا الذي غرس الشتـــــاء بكفه***لاقى المصيف هشــائمـــا لا تثمر.
مـــــا كانت الأيــام تسلب بهجـة***لو أن حُسْن الـــــروض كان يُعمَّر.
أو لا ترى الأشياء إذ هي غُيِّرت***سَمُجَتْ وحُسْن الأرض حين تغير.
يــــا صاحبيّ تقصيا نظريكما***تريا وجوه الأرض كيف تصـور.
تريا نهارا مشمسا قد شابه***زهـــر الربى فكأنمـــا هــو مقمـر.
دنيـــا معــــاش للورى حتى إذا***جُلِي الربيــــع فإنمـــا هي منظــر.
أضحت تصوغ بطونها لظهورها***نـَوْرا تكــاد لـه القلـــوب تنـــور.
من كل زاهرة ترقرق بالندى***وكأنـــها عيــن إلـيـــك تــحــــدَّر.
حتى غدت وهداتها ونجادها***فئتين من خِلــع الربيع تبختر


أبو تمام هنا يصف الشتاء بعبقريته المعهودة حين يصف نهاره حين تغيب الشمس وكأنه نهار مقمر , وتزداد عبقريته سحرا وهو يصف انحدار الربيع بعد الشتاء وكأن الربيع نتيجة منطقية محتملة من عبق ذلك الشتاء الراحل.

عشاق الشتاء


وارتبط الشتاء عند العرب بالضيف , ذلك المسافر في عمق الصحراء عندما تلفحه برودة الليل المثلج و تعوي ذئاب الصحراء فلا يكون له أمل سوى مأوى وطعام يسكن بيه آلام جوعه الذي اشتد عليه بسبب الصقيع , فالعرب هنا يوقودون ويذبحون ويعدون الطعام للضيف والمسافر ومنقطع الطريق بل يتبارون في إشعال النار فلا تطفأ نيرانهم على مواقد الطعام والتدفئة طول الشتاء فهي رمز للكرم ومشهد للفخر بالعطاء يتسابقون إليه حتى إن حاتم الطائي يدعو فتيانه إلى الإشعال وإعداد الطعام في الشتاء لعل ضيفا يحل وينتظر الضيف بشوق عارم حتى أنه يجعل مكافأة لمن يجد ذلك الضيف ويأتي به أن ينال حريته فورا 
فيقول حاتم الطائي : 
أَوقِد فَإِنَّ اللَيلَ لَيلٌ قَرُّ
وَالريحَ يا موقِدُ ريحٌ صِرُّ
عَسى يَرى نارَكَ مَن يَمُرُّ
إِن جَلَبَت ضَيفاً فَأَنتَ حُرُّ


أنها أخلاقيات يفرضها الشتاء فيغدو الشتاء مزينا بكل شي فيه حتى أخلاقيات البشر .
وحينما يلفحك الصقيع وتحتاج الي التدثر فلن تجد غير الشتاء مأوى المحبين وملتقى الأجواء الشاعرية 
لذا يشتاقه البشر ويعشقون لياليه وأيامه حتى ولو أرعبتهم رعوده وابرقهم سحاباته التي تزين السماء 
عشاق الشتاء


عشاق الشتاء كثيرون أنتم خذوا من الشتاء نداه , واغسلوا قلوبكم بأمطاره .أشرقوا أنتم لو غابت شموسه 
وابحثوا عن العطاء والخير والجمال الذي يحمله الشتاء الذي تعشقونه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock