شعر وحكايات

يوميات مهاجر في بلاد الجن والملائكة

فنجان قهوة مع أصحاب الياقات البيضاء الحلقة 3

بقلم     الدكتور محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب بباريس

اعتاد صاحبنا أن يرتشف فنجاناً من القهوة عصر كل يوم في مكانه المفضل محلات تريانون في وسط الإسكندرية والذي يطل على شارع سعد زغلول , وعلى أشهر ميادينها ميدان محطة الرمل , يتألق مطعم وحلواني تريانون ببهائه المميز على ناصية ثلاثة شوارع رئيسية بمظلاته البيضاء التي كُتب عليها باللون الأحمر اسم المطعم الذي أصبح علامة مميزة في قلب الميدان العريق وقبلة لأصحاب الذوق الرفيع .

كان للقهوة مذاقاً خاصاً بعد العصر وقبيل الغروب , حينما تنحدر الشمس نحو المغيب , وهي تجر ذيلها من الشفق الأحمر الذي ينعكس على صفحة الماء ليزيدها روعة وخجلا وجمالا , وسرعان ما يختفي قرص الشمس بعيداً وراء خط الأفق , وتقبل دولة الليل بكل ما فيها من سحر وجمال ودلال .

وَاجِهَة المطعم المطلة على الكورنيش جعلت صاحبنا أن ينتحي له مكانا تم حجزه خصيصا له اسم مكان ” الكاتب ”

هذا المكان له مذاق خاص يجمع بين الفخامة والأصالة , وحين تدخل من الباب لابد أن تندهش من أصناف الحلويات والشوكولاتة الشرقية أو الغربية وأنت تتذوقها على عزف الموسيقى الرومانسية الهادئة , هذا المطعم يصيبك بالدهشة ويخلب حواسك في التصميم الرائع والديكور البديع الذي يجمع بين الرونق الأوروبي والنقوش الخشبية الشرقية والرسوم الرائعة التي مازالت تحمل توقيع فنان إيطالي , تلك الرسوم لا تزال تحتفظ بألوانها الزاهية التي تخلق أجواء لا مثيل لها.

حينما تدخل هذا المكان تشعر برهبة من العراقة والأناقة , فضلاً عن مستويات رواده من أصحاب الياقات البيضاء , هنا تسمع العديد من لغات العالم مثل الفرنسية والإيطالية واليونانية والإنجليزية والألمانية والأسبانية , وهي لغات متداولة بين العاملين في المحل ورواد المقهى الشهير الذي كان له صبغة ثقافية خاصة بسببها يتعذر عن دخوله دون المثقفين .

كان صاحبنا يعشق هذا الجو الذي يقدم له رحلة مجانية إلى أوروبا , فضلا عن رائحة عبق التاريخ الثرية التي تنبعث من كل زاوية من زوايا المكان , بل كانت هناك رسائل من الماضي العريق تبسط سلطانها على المكان وزواره

تروي لنا القصص المتعددة حكاية تريانون
تريانون يوناني الأصل وتاريخه يعود لنحو 120 عاما , وقد اشتراه الخواجة اليوناني ” يورغوس بيرليس مؤسس حلواني ” بيتيت تريانون “بعد ذلك اشتراه ” جراند تريانون ” مع عائلة قسطنطينوس وأندريا دريكوس وبدأوا في التوسع وفي السبعينات انفصل بيتيت وجراند تريانون , والجدير بالذكر أن أن معظم العاملين في المطعم كانوا يونانيين الأصل واشهرهم كوستا وكان مسؤولا في المخازن أما ياني والمتر ستاورو في قسم الحلويات أما أليكو كان الكاشير الخاص بالمحل .

في هذا المكان كتب الأديب العالمي نجيب محفوظ اروع سيناريوهات أفلامه , كما كان توفيق الحكيم من عشاق هذا المكان وكان من رواد هذا المقهى والمطعم الشهير الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي والشاعر أمل دنقل , ايضا كاتل تلك اليوميات .
يحتفظ تريانون بمجلدات ضخمة أنيقة تسجل توقيعات رواده من مشاهير السياسة والثقافة والفن والإبداع مثل :

” الملكة صوفيا ملكة أسبانيا ذات الأصل اليوناني , الأمير تركي بن عبد العزيز , السيدة جيهان السادات , فؤاد باشا سراج الدين , السير مجدي يعقوب , العالم الدكتور أحمد زويل , صفوت الشريف , المشير الجمسي وزير الدفاع إبان حرب أكتوبر 1973, الأميرة فوزية والملكة ناريمان وكذلك نجوم الفن والسينما والتليفزيون منهم الفنان أحمد زكي ومحمود مرسي , عباس فارس , حمدي غيث , ليلى علوي , لبلبة , محمد أحمد المصري ” أبو لمعة ” وكذلك كوستانتينو وزير داخلية اليونان

كان صاحب يوميات مهاجر في بلاد الجن والملائكة يعشق هذا البيانو العتيق بمظهره الآسر الذي يحتل ركنا يسيطر على قاعة الطعام

كان يحاول أن يداعب أصابع ذلك البيانو الفرنسي الذي يعود تاريخه إلى عام 1911, لقد ترك عشاق هذا البيانو بصمات أصابعهم كريمة الرئيس الراحل أنور السادات كلما تناولت غذاءها هنا

جُدْرَان الْمَطْعَم لَا تَزَال مُحْتَفِظَة بِرَوْنَقِهَا مُنْذ 120 عَاما، إِذَا قُمْت بِجَوْلَة سَاحِرَة بَيْن دَهَالِيْز تِرِيَّانُون، سَتَجِد أَن كُل قِطْعَة أَثَاث فِي الْمَطْعَم تُعْتَبَر مِن الأَنْتِيكات الْثَّمِيْنَة. أَمَا الْقِسْم الْثَّانِي مِن تِرِيَّانُون فَهُو قَسَم الْحُلْوَانِي وَهُو يَعُج بِأَنْوَاع الشوْكُوَلاتِه وَالْحَلَوِيَّات ذَات الأغُلْفة الْبَرَّاقَة.

ارْتَشْف صَاحِبُنْا رَشْفَة مِن قَهْوَتَه فِي هَذَا الْمَكَان الْعَرِيق الْأَنِيْق الَّذِي تَنَفَّس فِيْه شَهِيْق إِبْدَاع ثَقَافَة الْشَّرْق وَزَفِير عَرَاقَة الغرب , وَصَمَت بُرْهَة وَكَأَنَّهَا الْدَّهْر وَعَاد لِيَطْرَح الْسُّؤَال عَلَى نَفْسِه ….!!!
كَيْف يَتَغَلَّب عَلَى مُشْكِلَة الْلُّغَة الْفَرَنْسِيَّة……؟

وَهْنَا قفزت في رأسه فِي فِكْرَة…..!!!
مَاهِي…؟

تابعونا في الحلقة القادمة دكتور / محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: