حياة الفنانين

محمد فوزي “بين الشهرة والمرض وثورة يوليو

كتب “عماد وديع

أنشأ شركة إنتاج سينمائي خاصة عام 1947 قدَّم من خلالها أعمالاً ناجحة تلائم طابعه الفني وكان أول مَن أنتج فيلمًا ملوَّنًا في تاريخ السينما المصرية في 1950 وخسر في فيلمين متتاليين ثلث مُدَّخراته وكان أعظم مَن قدَّم أغانٍ للأطفال على مر العقود، فيحفظ أغانيه الآباء والأمهات، ويرددها الأولاد والبنات.
وبدافع الوطنية قال لا للاحتكار الأجنبي لإنتاج الأسطوانات فأسَّس شركة مصر فون في 1958 وألحق بها استوديو لتسجيل الأغاني وتزامن ذلك مع تلحينه النشيد الوطني للجزائر المُحتلَّة قبلها بعدة أشْهُر وهو النشيد المُستمر إلى اليوم كواحد من أجمل الأناشيد الوطنية تلحينًا على ظهر الكوكب

في 1949 أنتجت شركته فيلمًا من بطولته بعنوان “فاطمة وماريكا وراشيل”. أظهر الفيلم أسرة راشيل اليهودية بمظهر البخل والجشع وسخر من سلوكيات اليهود فانقلبت الدنيا في إسرائيل الوليدة واتهموه بمُعاداة السامية والتطرُّف ضد اليهود رغم أن قصة الفيلم مستوحاة من المسرحية الفرنسية الشهيرة زواج فيجارو للأديب بومارشيه في 1784 وسبقه موتسارت شخصيًّا بتحويلها إلى أوبرا في 1786وعندما قامت ثورة يوليو 1952 كان محمد فوزي هو أهم مطرب سينمائي ويقدِّم ألحانه لعدد كبير من مشاهير المطربين والمطربات ولم يكن فوزي مُناهضًا للثورة أو للجيش، لكنه لم يكن مُطبِّلاً أو منافقًا أو مُشاركًا في حفلات الثورة السنوية عندما قرر أن يحارب الاحتكار الأجنبي لسوق الأسطوانات الفنية، وأسَّس شركة بإسم مصر، كما كان يفعل من قبله طلعت حرب، كانت ضربة قاسية للمُحتكرين الأجانب في مصر.


كانت شركته تصنِّع أسطوانة محلية رخيصة السعر بنصف سعر الأسطوانة المستوردة،كما كانت أسطوانة فوزي غير قابلة للكسر ويمكن استخدامها على الوجهين، فتتسع لأغنيتين ، بينما كانت المستوردة لا تستوعب سوى أغنية واحدة، وقابلة للكسر و وفرت على الدولة العملة الصعبة وعلى المواطن الذي اشترى سلعة أرخص بل امتدت المنفعة إلى باقى الفنانين حيث نسف محمد فوزي النظام الأجنبي المُسيطر الذى يمنح الفنان قيمة مُحدَّدة من المال مقابل حق استغلال أغانيه دون أن يستفيد من إيرادات المبيعات بأي شكل فوضع فوزي نظامًا جديدًا يُعرف بحق الأداء العلني للمطرب، وكانت القوانين قبله تخص المؤلف والملحن فقط في الحقوق،وقد وضع محمد فوزي في مشروعه الوطني كل مُدَّخرات عمره، وباع كل ما يملك من أراضٍ وعقارات.

ومن فرط انبهار الجميع بما فعله، فقد افتتح مشروعه رئيس الوزراء د. عزيز صدقي شخصيًّا في 30 يوليو 1958، وأثنى على وطنيته وتوفيره للدولة النقد الأجنبي للأساسيات التي تحتاجها .
ورغم كل ذلك، اجتاح التأميم مصر فون في نهاية عام 1961، ولم يعبأ النظام العسكري بقيمة الفن الذي يقدِّمه الموسيقار محمد فوزي ، ولم يُقدَّر له شعوره الوطني، ورغبته في دعم بلده وتم تأميم مصر فون وتحوَّلت إلى شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات المعروفة حاليًا
كان اليوم الذي صدر فيه قرار التأميم هو الأسوأ في حياة فوزي فقد ركن سيارته أمام شركته، ولاحظ وجود كثيف للعساكر في محيطها ولما ذهب إلى مكتبه ، وجد شخصًا يجلس على كرسيه ، ويضع قدميه في وجهه على المكتب ، ويعبث بيديه في أدراجه الخاصة ولما انتبه إلى وجود فوزي أمامه مندهشاً أخبره بعجرفة واستهزاء أنه الضابط فلان الفلاني ، وأخبره أن الثورة قد أمَّمَتْ مصنع أسطواناته وإستوديو أغانيه ثم نادى في غِلْظة على الساعي، وأمره أن يقود الأستاذ إلى مكتبه الجديد كموظَّف براتب في ملكه وكان مكتبه الجديد في غرفة الساعي الخاص به بجوار دورة المياه،الذين يملكون شعبية طاغية للعندليب الأسمر ولموسيقار الأجيال سواء جاءت الأناشيد من باب النفاق ، أو من منطلق الإيمان بأهداف الثورة النتيجة واحدة الثورة لن تقترب ممن يغني لهاعبد الناصرغنى حبيبنا قايم بينَّا يخاطبنا نجاوبه ويجاوبنا قائد ومُجنَّدين ولامع مَن يغني “ردِّينا عليك يا جمال. وإيدينا في إيديك يا جمال. وطلعنا معاك يا جمال. نبني ويَّاك يا جمال. حيُّوا معايا قولوا معايا عاش عبد الناصر عاش
نصح المُقرَّبون محمد فوزي أن يفعل مثلما يفعل الآخرون لعلَّه يسترد شركته وأمواله التي راحت.
وجاءته فرصة ذهبية عندما دُعِيَ للمشاركة في العيد السنوي للثورة في 1963 فخرجت أم كلثوم تغني “يا جمال يا مثال الوطنية وظهر عبد الحليم يغني “بالأحضان” وبها مقطع يقول: “ياما شفتك ع البُعد عظيمة، يا بلادي يا حُرَّة يا كريمة. وزعيمك خلاَّكي زعيمة، في طريق الخير والعُمران”. ولما صعد محمد فوزي على المسرح وقف ينشد “بلدي أحببتك يا بلدي، حُبًّا في الله وللأبد ثم نزل دون إشارة أو إشادة بالقائد المُلْهَم
وبعد ذلك دخل محمد فوزي في حالة نفسية سيئة جدًّا. وسرعان ما تدهورت صحته ، وأصيب بسرطان العظام، وانخفض وزنه من 77 كجم إلى 40 كجم في غضون شهور قليلة نفدت مدخراته القليلة على علاجه خلال عام واحد، بعد أن صودرت أمواله. وبدأ يعلو صوت بعض الشرفاء من الصحفيين والفنانين مُطالبين برعاية فوزي في مرضه القاسي، فصدر قرار جمهوري بعلاجه على نفقة الدولة، لكنه صدر بعد فوات الأوان
ومن أغرب المفارقات ان محمد فوزى توفى في سنة
1966وأن الإذاعة المصرية لم تجد بعد هزيمة يونيو 1967 سوى أغنيته “بلدي أحببتك” لإذاعتها مرارًا وتكرارًا ، فصاروا يذيعونها بأمر الضابط المُشرف على الإذاعة كل نصف ساعة ، فلم يكن ممكنًا أن تُذاع أي أغنية وطنية أخرى ، حيث لم تخلُ معظم الأغاني من تمجيد شخص عبد الناصر، فصارت أغنية فوزي تخلوا من المديح كانت صالحة فى وقت الهزيمة .


قبل وفاته بأيام كتب فوزى رسالة نشرتها الصحف، تقول: إن الموت علينا حق. إذا لم نمُتْ اليوم سنموت غدًا وأحمد الله إنني مؤمن بربي فلا أخاف الموت الذي قد يريحني من هذه الآلام التي أعانيها فقد أدَّيْتُ واجبي نحو بلدي وكنت أتمنى أن أؤدي الكثير.
لكن إرادة الله فوق كل إرادة والأعمار بيد الله، لن يطيلها الطب. ولكني لجأت إلى العلاج حتى لا أكون مُقصِّرًا في حق نفسي وفي حق مستقبل أولادي تحياتي إلى كل إنسان أحبني ورفع يده إلى السماء من أجلي تحياتي لكل طفل أسعدته ألحاني واسلم فوزى الروح بعد أن أثرى الساحة المصرية والعربية بصوته وألحانه وصمد ولم ينافق حكام أو يبخل بعطائه على وطنه حتى النهاية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: