مقالات

يوميات مهاجر في بلاد الجن والملائكة 14

هنا إذاعة فرج البرقوقي من باريس

دكتور / محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب بباريس

التناقض أهم سمة تفرض سلطانها على عاصمة النور باريس , دقائق معدودة من ميدان شارل ديجول قلب باريس النابض بالحياة الذي يتوج أشهر شارع في العالم (( الشانزليزيه )) حيث تلتقي الموضة والثقافة والسياحة ولغات العالم كله في تلك البقعة ……..على بعد محطات معدودة بمترو الأنفاق ….محطة (( بلفيل )) ….درجات معدودة من تحت الأرض تصعدها تجد نفسك في حي عربي مائة بالمائة , لن تصدق نفسك أنك في باريس ….على الأرصفة تُباع شرائط أم كلثوم وعبد الحليم وفريد والشيخ كشك وجمال عبد الناصر …وتسمع موسيقى البيانولا عبر شريط من الكارتون المثقوب , في هذا الحي تنتشر المكتبات العربية والمساجد ومحلات الجزارة الإسلامية (( مذبوح على الشريعة الإسلامية )) فضلاً عن سوق الخضار والفاكهة الذي يمتد من محطة (( بلفيل )) ومحطة(( كرون )) وينتهي في محطة (( ميني منتون )) على خط مترو رقم 2 شارل ديجول ناسيون .
في بلفيل ترى العرب من شمال إفريقيا من تونس والجزائر والمغرب فضلاً عن المصريين والأفارقة وأيضاً محلات اليهود…..نسيج وخليط اجتماعي مختلف الألوان والثقافات واللغات واللهجات والعقائد , الكل يعيش ويعمل ويتعامل بحب في تلك البقعة .
تعرف صاحبنا على صفوت ….مصري من القاهرة … من شبرا…. كان يعمل في في مطبعة أبيه بعد فشله في الدراسة ….وصل إلى باريس في مطلع الثمانينات من القرن المنصرم …خفيف الظل …حلو المعشر ….قصير القامة ….بدين الجسم ….أصلع الرأس ….صاحب صاحبه …… فضلاً عن مهارتها في الطهي والطبخ …., كان يأتي بالخضار والفاكهة الطازجة واللحم المذبوح ويمارس هوايته في طهي صنوف الطعام التي كانت رائحته تتسرب من تحت باب غرفته التي تجلب له ضيوفاً بالإكراه .
إكتشف صفوت مطبعة أمام سوق الخضار الذي كان يعمل فيه صباحاً…..والتقى بصاحب المطبعة على أمل أن يجد عملاً عنده ولاسيما وأن الطباعة هي مهنته ومهنة أبيه كابر عن كابر ….أختبر (( البرقوقي )) صاحب المطبعة صفوت والذي عينه على الفور مساعداً له بعد الظهر .
وبدأت أحلام صفوت تلمع في رأسه …..حلمه أن يجمع من الفرنكات مبلغ ليشتري به سيارة بيجو مستعملة ….بيجو 504 ….فخر الصناعة الفرنسية ….سيارة حديد زلطة أعظم ما أنتجت بيجو الفرنسية في سبعينيات القرن المنصرم .
صفوت كان يعمل في سوق الخضار صباحاً وبعد الظهر كان يعمل في مطبعة (( فرج البرقوقي ))
الجزائري الجنسية …..كان طويل القامة له شارب كثيف يعتني به أشد العناية ….ضخم الجثة …ضعيف البصر ….لديه نظارات ذات عدسات سميكة …ورغم ضعف بصره إستحالة أن يخطئ في رص حروف الطباعة يدوياً حيث كانت الطباعة في الماضي .
كانت المطبعة تلبي طلبات الجالية العربية والإسلامية من طبع إعلانات ومنشورات خاصة المنشورات التي تطالب بمنح أوراق الإقامة الشرعية للمهاجرين الغير شرعيين , تولى في عام 1981 الاشتراكي (( فرانسوا ميتران )) رئاسة فرنسا الذي قرر تسوية أوضاع المهاجرين الغير شرعيين في فرنسا إيماناً بمبادئ الجمهورية من العدل والمساواة والإخاء .
كانت مطبعة (( البرقوقي )) في بدروم أحد المباني القديمة ….لها نوافذ تعلو رصيف الشارع بعدة سنتيمترات يدخل منها كل شئ من تراب وضجيج الشارع وصوت نعال المارة فضلاً عن أصوات الباعة في سوق الخضار ….. نشرة أخبار وأسعار الخضار والفاكهة التي تنبعث من حناجر العمال بكل اللهجات واللغات بما فيها اللهجة المصرية التي كانت مسيطرة على السوق .
معظم الباعة من المصريين ومعظم الزبائن من العرب .
كان (( البرقوقي )) يحمل سلسلة مفاتيح لا تعد ولا تحصى وزنها يتعدى الكيلو جرام ….وكان هذا المشهد يتكرر يومياً حينما يجرب كل المفاتيح ليفتح المطبعة ….لم يفلح يوماً ما في فتح المطبعة من أول مفتاح …..كان يحب العمل الإعلامي لحد العشق …..يحدثك ساعات عن ثورة المليون شهيد ….والكفاح في الجزائر والأمير عبد القادر الجزائري والرئيس أحمد بن بله وغيرهم من قادة شعب الجزائر العظيم , كان يعشق الزعيم الراحل (( جمال عبد الناصر )) الذي جمع كل خطاباته وكان يحفظها عن ظهر قلب …..تغلغل حبه للإعلام في كل كيانه ووجدانه ومن ثم فكر في إفتتاح إذاعة عربية من قلب باريس ….واشترى المعدات اللازمة من جهاز بث وإرسال وهوائي وضعه فوق المبنى ….كل هذا دون أن يحصل على تصاريح من السلطات الفرنسية لهذه الإذاعة .
الأمر الذي يجعل الشرطة الفرنسية مصادرة هوائي الإذاعة بعد دقائق من بداية البث , كانت معرفة أخبار الوطن العربي عن طريق الموجة القصيرة وكانت أقرب الدول التي يكاد أن يصل منه الإرسال الإذاعي بلاد المغرب العربي ولكن بصورة ضعيفة لا تكاد تسمع منها أي شئ من سوء الاستقبال .
فرج البرقوقي كان حلمه أن يبني إذاعة تعبر عن صوت المهاجرين العرب في فرنسا , بل كانت أحلامه لأن تغطي تلك الإذاعة أوروبا كلها .
أشترى البرقوقي عدة هوائيات …..كلما جاءت الشرطة ونزعت الهوائي ….بعد دقائق يركب غيره ويستأنف البث المباشر .
قال صفوت لصاحبنا : لقد وجدت لك عملاً محترماً……مذيع في الراديو ….!!
قال صاحبنا : مذيع حتة واحدة ….طب قول فراش الإذاعة …قهوجي الإذاعة ….أي حاجة في الإذاعة ….أما مذيع حتة واحدة …هذا كثير قوي …قول حاجة غير كده .
قاطعه صفوت قائلاً بنبرة جد وحزم : أنا اخدت لك موعد مع مدير الإذاعة بكره بعد الظهر ….بعد الإنتهاء من عملي في السوق .
قال صاحبنا : أنت بتكلم جد..؟
رد صفوت : جد الجد أنت رجل مثقف وكلامك موزون وبتكلم عربي كويس وصوتك حلو وعندك أفكار كويسة ….يعني كامل من مجميعه …أسم على مسمى ياعم .
بكره المعلم (( فرج البرقوقي )) في إنتظارك ….!!
قال صاحبنا : ايه المعلم ـ فرج البرقوقي ــ مين ده …؟
قال صفوت : مدير الإذاعة
….أه مدير الإذاعة ….أصله المعلم صاحب المطبعة صاحب الشغل , صاحب سوق الخضار الذي اعمل فيه ….عنده كده إذاعة على قده تحت بير السلم , جهاز إرسال وهوائي فوق السطح وخُلصنا .
وفي اليوم التالي ذهب صاحبنا مع صديقه صفوت إلى الإذاعة , وانتظرا البرقوقي الذي جاء متأخراً بعض الوقت , اعتذر البرقوقي للتأخير وبدأ كالعادة في تجريب كل المفاتيح لفتح باب المطبعة …أقصد الإذاعة ……وبعد التعارف بين البرقوقي وصاحبنا أخذه من يده وأجلسه على كرسي خشبي عتيق …أمامه ميكروفون وجهاز إرسال عتيق بلمبات ملونة ومؤشرات لرفع الصوت وخفضه وكومة من الأسلاك ……وقال له تكلم في الميكروفون ….اشتغل ….قول …..!!
قال له صاحبنا : ماذا اقول …؟
قال له قل : هنا إذاعة فرج البرقوقي من باريس …..!!
أستجمع صاحبنا قوته وقال : هنا إذاعة فرج البرقوقي من باريس ….!!
وهنا وصلت الشرطة وقالت : ونحن هنا جئنا لنوقف إذاعة فرج البرقوقي في باريس ….!!
صعدت الشرطة للسطح ونزعت الهوائي وانصرفت
وهنا ضحك البرقوقي بصوت عالي وقال لصاحبنا :
ولا يهمك عندي ستوك ….وأخرج هوائي آخر من خلف الباب , وبدأ صاحبنا في إذاعة أول برنامج له
أصبح صاحبنا نجم الإذاعة
لم يكن للإذاعة أي برنامج لبداية الإرسال أو نهايته ….الموضوع كله مرتبط بالمعلم فرج البرقوقي سلسلة مفاتيحه ….كان إرسال الإذاعة يصل إلى الناس عبر موجة (( أف أم ))…إرسال فيه خليط صوت المطبعة وأيضاً صوت مطبخ صفوت وجلسات زبائن المطبعة ….. وهكذا كان صوت أثير إذاعة فرج البرقوقي من باريس الذي دخل مدرسة الإعلام من تحت بير السلم .
الأن عبر الإنترنت غطت الإذاعات العربية العالم كله فضلاً عن القنوات الفضائية ومع ذلك مازلت هذه الجملة تتردد في أذنه بلا إنقطاع :
هنا إذاعة فرج البرقوقي من باريس , وللحديث بقية في الحلقة التالية ….!!

يوميات مهاجر في بلاد الجن والملائكة الحلقة 13

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: