شعر وحكاياتعام

ليلة ميلاد .. ريا ..و سكينة


قصة بقلم حنان عبدالحليم
عروستى .وانا طفلة ..كانت شقراء جميلة يعلو وجهها ابتسامة وترتدى ملابس أنيقة …ولكن أمى كانت تحذرنى طوال الوقت من اتلافها فكنت العب بها وكأننى تحت المراقبة ..كنا نسافر
للقرية كالمعتاد فى اجازة الصيف ,, تركت عروستى الحدود والجدران والقوانين .. ورغم انى كنت اسافر مع امى وابى واسرتى التى تعيش فى القاهرة , الا ان اشياء كثيرة مباحة فى القرية .. هى من المحرمات بالقطع فى القاهرة .. مثل: العب فى الشارع , الخروج بدون اذن , الخروج منفردة .. كانت هناك اسباب منطقية لدى الكبار , هى فى الواقع لا تعنينى فى شئ المهم ان رحلة القرية .. كانت جنتى الموعودة التى انتظرها بفارغ الصبر … رغم انعدام وسائل الترفيه العديدة الموجودة فى مصر فى ذلك الوقت .. مثل التليفزيون وبعض انواع الطعام .. ولكن لايهم .. الحرية لا تقدر بثمن .. ولكن الامر (مايسلمش ) من بعض المفارقات التى يصنعها اختلاف الثقافات .. ومن هنا تأتى كوميديا الموقف ..
كانت لى جارة عجوز تقطن على بعد امتار من منزلنا فى (البلد) وعرضت على ان تصنع لى “عروسة” واخذت تسرد وتطيل فى وصف وجمال العروسة ,, وقتها لم اكن اعرف ان العروسة يمكن ان تصنع من القماش المحشو بالقطن , كل مااعرفه عروستى البلاستيك .. اذا كيف ستحضر العجوز البلاستيك وتشكله على هيئة عروسة .. وسرحت بخيالى ..كيف ان هذه العروسة ستكون خارج الحصار ..ينطبق عليها نفس قوانين البد .. العب بها وادمرها كيفما أشاء ..وسالت ببرائة :هل تصنعى عروسة بتقول : بابا و ماما 
ولكنها فاجئنى بان عروستها من القماش .. ولاتوجد امراة فى ” بر مصر” تصنع عروسة مثلها .. انها ست العرايس 
كان وجة العجوز يحمل كبرياء المبدعين .. لدرجة اقنعتنى انها ستصنع معجزة .. لا اظن ان “بيكاسو “كان لديه مثل فخرها وكبريائها وهو يتحدث عن لوحاته ..
ولكن العجوز .. كان لها شرطان : اولا :ان أكتم الامر عن صديقاتى حتى لا يحسدننى على استأثارى بالعروسة ..وحتى لاتقع تحت حرج ان تصنع لهن مثلها ….
ثانيا: ان احضر مراسم صنع العروسة بنفسى ..و اوحت لى بانها متعة .. لا يضاهيها متعة
وامتثلت للامرين .. وكتمنت الامرعن صديقاتى اثناء اللعب المسائى , وودعتهن وتسللت لمنزل العجوز لحضور مراسم صنع العروسة .
ويالها من ليلة ….
كل شئ فى هذه الليلة كان مغلف بالضباب .. بدءا من الجلوس فى بيت العجوز امام العتبة المرتفعة التى تميز بيوت الربف المصرى فى ذلك الوقت ,على ضوء مصباح الكيروسين …فالكهرباء فى ذلك الوقت كانت رفاهية لا يستطيع على تكلفتها كل ابناء القرية 
وصولا الى ذلك الفناء الضيق فى بيتها المصنوع من الطوب اللبن .. واجلستنى على” شلتة “فى صلابة الحجر ..اكراما لى 
..بينما هى وانبنتها كانتا تجلسان على الارض مباشرة ..كل هذه الاشياء كانت غريبة على تماما ,,فمنزلنا فى البلد لم يكن يختلف عن بيت (مصر) فى شئ اغير انه ارحب ومكون من عدة ادوار وبه فرن ومواشى ودجاج وكلاب وقطط ,و كلها اشياء رائعة 
وميزت فى ذلك الجو الضبابى .. تعبيرا على وجه العجوز لم اكن ادرى ما هو .. لكنه جعلنى اشعر بالانقباض , تعبير من يسدى لك خدمة او يقدم لك معروفا ويعلم انها تستحق مقابل ولكنه لن يأخذ مقابل .. فقط يريد ان يشعرك بأهمية ما يفعل وعظمته .. و ياله من شعور ..
وبدأت المراسم …واخذت العجوز تقطع القماش الابيض الناصع اللى قطع مستطيلة ,, وتوصلها ببعضعا البعض لتحشوها بالقطن,وكان ذلك بالنسبة لى اشبه بذبح الخروف وتقطيعه ,, وهو محل خلاف عند الاطفال ,, ففى حين يراه البعض متعة ,, يراه أخرون مثيرا اللاشمئزاز لدرجة تحرم عليهم أكل اللحم … وكنت انا من النوع الثانى,
ولكن الاسوأ فى هذه الليلة لم يكن قد حدث بعد .. وجاء وقت تركيب الشعر ورسم ملامح الوجه .. وفوجئت بالعجوز تطلب من ابنتها قص جزء من اطراف ضفيرتهاالسوداء لتضعها على رأس العروسة .. هكذا بلا رحمة .. ثم اخذت خيطا اسود ورسمت به عيون وحواجت العروسة .. وتركت فمها لخيالى لانها لا تملك بالطبع خيطا أحمر .
وتصبب العرق من جسدى كله .. من شدة الصدمة وطول الانتظار .. كما بدا التعب والانهاك على العجوز لطول وقت (ولادة ) ذلك الكائن المرعب … 
وجاء وقت الاستلام .. وفكرت ان اطلق ساقى للريح واجرى .. ولكن ذلك .يعتبر قلة ادب رسمى .. ويكفى ان اكون متعبة ومحبطة وخائفة ..لكن لست قليلة ادب .. وحملت العروسة فاذا بها ثقيلة الوزن . وشعرت ان وزنها يفوق وزنى .
ولكن العجوزالموهوبة .. لم تتوقف عن ابهارى .. .. وسأتنى بنظرة فاحصة كأنها تريد ان تدخل عقلى وكتشف مشاعرى .. الا تسميها كل طفلة تسمى عروستها .. كان الموقف اكبر من احتمالى … ماذا اسمى تللك القبيحة التى تشبه “ريا وسكنينة ” وتحملت من اجلها كل هذا …واجبت : لا اعرف 
هنا جاءت كوميديا الموقف ..هل اسميها انا لك 
… ..كاد قلبى يتوقف فلا يوجد اسود من هذه الليلة سوى هذا الحدث ,, ووقع نظرى على وجه الابنة ووجدتها تترفب بحبور وفخر وشعرت لوهلة انها تنتظر ان تسمى المولودة على اسمها .. وتسمرت من الارتباك وشعرت بوهن شديد فى ساقى من ثقل العروسة والارهاق وخيبة الامل .. وها انا سأظفر باسم( ريفى )عجيب فى نهاية المطاف ..
. . ولاحظت العجوز وهنى .. وقالت : لايهم سميها بعدين اسم “بندرى ” انت دلوقت نعسانة الوقت تأخر ..
وتنفست الصعداء .. وخرجت متخطية بجسدى الضعيف عتبة البيت العالية جدا.. حاملة العروسة “اللى ماتتسماش :” ثم استدرت نحوها بعد ان تذكرت انى لم اشكرها … وشكرتها .. وكررت االتحذير بالا اخبراحد من البنات عن العروسة .. واكدت انى لن افعل .
وسرت بها امتار معدودة حتى البيت شعرت وكأنهااميال,,ودخلت المنزل وسط عاصفة من العتاب .. سريعا ماتحولت الى عطف ودلال بعد ان لاحظوا انهاكى لدرجة انى حملت من الباب حتى الفراش فى الدور العلوى .. و القيت العروسة القبيحة الثقلية فى حضن “دادة” مع التوصية بحبسها فى غرفة اخرى بعيدة عنى
ونمت احلم بعروستى فى مصر
وظلت العروسة الريفية “محبوسة “فى الغرفة ليوم أو أكثر .. فلم اشعر انها عروستى حتى أحملها أو أسميها , لكنها كانت من وجه نظرى كائن قبيح مشوه لا يرضى غريزة الأمومة عندى .
ولكن سكان منزل (البلد) كان لهم رأى آخر ..لقد رأوها جميلة .. نعم ..ج م ى ل ة ..يا للعجب كيف هذا ؟؟ هنا مكمن اختلاف الثقافات , فهم جميعا من أبناء القرية وسكانها وعلاقتهم بمصر لا تتعدى الزيارات المتباعدة .. اذا .. لا عجب ان تكون العجوز فخورة هكذا.. فهى بذلك تملك ثروة .. فهى وحدها القادرة على صنع ذلك الكائن .. الذى بهر الجميع باستثنائى .
ولكن ” عمتى ” كانت مختلفة فقد جمعت بين النشأة الريفية .. والإقامة الطويلة فى المدينة .. وتعرف عروستى فى مصر بشكل شخصى .. وقالت : خسارة العبى بيها هنا مع اصحابك لحد ما ترجعى مصر ولو حد سألك مين عملها ؟؟ قولى” زهرة” ..ده مش كدب .. انتى وعدتى انك ما تقوليش .
وكانت ” زهرة” تعمل فى منزل البلد وهى فى مثل عمر صانعة العروسة .. ومن اشد المعجبين بالعروسة ,,وكانت حاضرة المفاوضات وتعهدت بحفظ السر.
قبلت فكرة عمتى من قبيل استثمار الليلة حالكة السواد .. وبتشجيع عظيم من “زهرة” التى رأت فى العروسة حلم طفولتها الضائع .. وقالت : لومش عيب كنت خرجت انا العب بيها ..
وحملت العروسة الثقيلة ,, خرجت بها ,, وكلى ترقب.. وما ان لمحتها البنات .. حتى سألن : مين عملها لك ؟؟
قلت: زهرة … ولكنى ووجهت بالتشكيك ,.. رغم الاعجاب بها الذى وصل الى حد الهوس .. واخذن فى التضيق والالحاح ,وطلبن منى ان اقسم بأن “زهرة “هى التى صنعتها .. ولحظتها قررت الهجوم .. واخذت العروسة وقررت الانصراف عائدة للمنزل
..وفى لمح البصر تم انهاء النقاش .. قررن جميعا الاستمتاع “بست الحسن والجمال ” وسألن ما اسمها؟؟ اجبت .. فلتسميها كل منكن كما تشاء .. واعتبرت البنات ذلك منحة عظيمة .
واذا بالكائن القبيح الذى اعتبرته انا “ريا وسكينة” ..يتحول الى قطة مدللة تحمل اسماء عديدة رقيقة ..ويودعنها بحزن ..ويستقبلونها بلهفة … اما أنا فكنت أعيش حالة فخر .فأنا المالك الأصلى .. الذى له الحق فى ان يصطحب العروسة للمنزل ولا يفارقها لحظة ..ياللنعيم 
كل هذة الاحداث دارت فى المربع الكائن امام بيت البد وياله من مكان حبيييب..حبى له يعادل حب البنات للعروسة حب بلا منطق وقد يرى البعض المكان قبيحا .. لكنه ويوما كان جنتى الموعودة ..
هذا المربع كان يتيح لأمى مراقبتى من “شباك غرفتها ” الذى يكشف الساحة بالكامل .. ولكن اين أمى من كل هذا ؟؟ كانت فى مصر .. لأول وآخرمرة تقبل ان تتركنى مع عمتى ,, مما أتاح لى تجارب فريدة ..لان عمتى كانت اكثر تساهلا من.. ماما ..وترى فى اللعب عملا مقدسا ,, فالاطفال خلقوا للعب لا للمذاكرة .. ولا لطاعة الأوامر .. ما ابدعك يا عمتى ..
كل يوم كنت اقضيه مع عمتى كان يزيدنى جرأة على اللعب و كسر جميع القواعد المتعارف عليها . فرصة رائعة لاطلاق العنان للخيال فكلما قلت (اللعب ) كلما زاد الخيال….و لودامت اقامتى هناك , ربما كنت حاصلة االآن على جائزة “نوبل ” فى الادب ..
المهم ..جاء اليوم الموعود كنت العب مع البنات (استغماية) وانقطع سير (الصندل ) وبما انى كنت بالفعل حطمت قيودى .. فقررت خلع الصندل و أن العب (حافية )فى الشارع .. ماما فى مصر بقى ..وفى اقل من دقيقة دخلت (شظية )زجاج فى قدمى وأخذت تنزف بغزارة .. ولحظة صدمتى من مشهد الدم .. ظهر ابن عمى حاملا حقيبة سفره . وقد عاد لتوه من القاهرة .. ابن عمى هذا يعيش معنا فى منزل القاهرة .. يخضع لتعليمات ماما وعمليات التعقيم التى تمر بها الملابس والطعام والبشر فى منزلنا .. وصرخ.. وصرخت ,,و حملنى وهو يسب ويلعن بعد أن القى الحقيبة على البوابة والقى بى على (الكنبة) ..والسب مستمرا وتفحص قدمى واخرج الشظية ..وسط صراخى وصراخه .. وبينما يحاول السيطرة على الدم النازف بغزارة من قدمى.. وجد العروسة ملقاه بجوارى على الكنبة .. مليئة بالقماش والقطن .. وبعزم شمشون .. مزق العروسة (المدكوكة ) بالقطن وكبس الدم وبالقماش والقطن وصبغة اليود .. وانا اصرخ من الالم تارة. واتوسل أن يترك العروسة تارة أخرى .. ورد بكلمة واحدة : اخرسى .. وخرست
ونظرت الى قدمى وجدتها لفت بعناية باحشاء العروسة .. بينما تقبع الذراعان والساقان على الكنبة مع الرأس .
واشار باصبعه فى حزم ستبقى فى السرير لحد ماترجعى مصر .
وغادر الغرفة .. وتركنى باكية مع بقايا العروسة .,وانا اردد :فى نفسى :: من السيئ أن تتمزق هكذا .. ولكنى لم اكن انوى اصطحابها الى مصر … انها مخجلة
مدير قسم الأدب والشعر

علا السنجري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: